تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
مبالغا ، حتى كان إذا أراد أن يحدّث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرّح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث ، فقيل له في ذلك فقال : أحب أن أعظم حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال مالك : العلم نور يجعله اللّه حيث يشاء وليس بكثرة الرواية ، وهذا الاحترام والتوقير يدل على قوّة معرفته بجلال اللّه تعالى . وأما إرادته وجه اللّه تعالى بالعلم فيدل عليه قوله : الجدال في الدين ليس بشيء ، ويدل عليه قول الشافعي رحمه اللّه : إني شهدت مالكا وقد سئل عن ثمان وأربعين مسألة
شرح
يذكر فيه طلب العلم فريضة على كل مسلم ؟ فقال : ما أحسن طلب العلم ، فأما فريضته فلا . الثالث : من طريق عبد الملك بن حبيب أنه سمع عبد الملك بن الماجشون قال : سمعت مالكا وسئل عن طلب العلم أواجب ؟ فقال : أما معرفة شرائعه وسننه وفقهه الظاهر فواجب وغير ذلك منه من ضعف عنه فلا شيء عليه ، وهذه الأقوال مع غيرها ذكرناها مبسوطة فيما سلف عند ذكر الحديث المذكور . ( وكان رحمه اللّه في تعظيم علم الدين مبالغا حتى ) روي عنه أنه ( كان إذا أراد أن يحدّث توضأ وجلس على صدر فراشه ) أي أعلاه ( وسرح لحيته ) بالمشط ( واستعمل الطيب وتمكن في الجلوس ) على ركبتيه ( على وقار وهيبة ) وخشوع وسكون ، ( ثم يحدث فقيل له في ذلك فقال : أحب أن أعظم حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) . ويروى عن معن بن عيسى قال : كان مالك إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب ، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبره وقال ، قال اللّه تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ )[ الحجرات : 2 ] فمن رفع صوته عند حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اه . ومن هنا قال بعض الحفاظ ما أعهد من نفسي أني أمسكت جزءا من الحديث وأنا على غير طهارة . ( وقال مالك : العلم نور ) إلهي ( يجعله اللّه تعالى حيث يشاء ) من عباده . وفي نسخة ؟ فيمن يشاء ( وليس ) العلم ( بكثرة الرواية ) وهذه الجملة الأخيرة قد رويت عن عبد اللّه بن مسعود . أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عون بن عبد اللّه بن مسعود قال ، قال عبد اللّه بن مسعود : ليس العلم بكثرة الرواية لكن العلم الخشية ، وسيأتي ذلك . ( وهذا الاحترام والتوقير ) للعلم ( يدل على قوة معرفته بجلال اللّه عز وجل ) وخوفه منه . ( وأما إرادته وجه اللّه تعالى بالعلم فيدل عليه قوله الجدال في الدين ) أي المعاداة في علومه ( ليس بشيء ) أي لا ثمرة له وهو مذموم عند السلف . وأخرج الخطيب من رواية سعيد ابن بشير بن ذكوان قال : كان مالك إذا سئل عن مسألة فظن أن صاحبها غير متعلم وأنه يريد المغالطة نزع له بهذه الآية . يقول قال اللّه تعالى :( وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ )[ الأنعام : 9 ] ( ويدل عليه ) أيضا ( قول الشافعي ) فيما روي عنه : ( إني شهدت مالكا و ) قد ( سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين منها لا أدري ) ، وأجاب عن الباقي . وهكذا كان