تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
ذلك يكون عالما ، فإنه قيل لجالينوس : إنك تأمر للداء الواحد بالأدوية الكثيرة المجتمعة ؛ فقال : إنما المقصود منها واحد وإنما يجعل معه غيره لتسكن حدته ، لأن الافراد قاتل ، فهذا وأمثاله مما لا يحصى يدل على علو رتبته في معرفة اللّه تعالى وعلوم الآخرة . وأما إرادته بالفقه والمناظرة فيه وجه اللّه تعالى : فيدل عليه ما روي عنه أنه قال : وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إليّ شيء منه فانظر كيف اطلع على آفة العلم وطلب الاسم له ، وكيف كان منزه القلب عن الالتفات إليه مجرد النية فيه لوجه اللّه تعالى . وقال الشافعي رضي اللّه عنه : ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطئ ، وقال : ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من
شرح
تأمر للداء الواحد بالأدوية الكثيرة المجتمعة ) مع اختلاف طبائعها . ( قال : إنما المقصود منها ) أي من تلك الأدوية ( واحد ) أي جزء واحد مضاد لذلك الداء ، ( وإنما يجعل معه غيره ) بالإضافة عليه ( يسكن حدته ) وقوته ، ولقد صدق فيما قال ، ( لأن الإفراد قاتل ) بما فيه من الحدة والقوة فإذا لاقى الدواء الواحد حدة الداء تصاكا وعجز المريض عن تحمله ، وإنما يداوى بما يلائم المريض ، فكذلك الانفراد في العلم الواحد يورث حدة المزاج فإذا صاحبته علوم أخر فإنما تكون ملائمة له مسكنة لحدته ولكن الواحد هو المقصود بالذات ، ( فهذا وأمثاله مما لا يحصى ) مما نقل عنه ( يدل على عظم رتبته ) وجلالة قدره ( في معرفة اللّه سبحانه و ) في ( علوم الآخرة ) . ( وأما إرادته بالفقه خاصة وبالمناظرة فيه ) مع الإقران ( وجه اللّه ) تعالى وهي الخصلة الرابعة ( يدل عليه ما روي عنه أنه قال : وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إليّ منه شيء ) . قال ابن حاتم : حدثنا الربيع قال : سمعت الشافعي ودخلت عليه وهو مريض فذكر ما وضع من كتبه فقال : وددت أن الخلق تعلمه ولا ينسب إليّ منه شيء أبدا . وحدثنا أبي قال : حدثنا حرملة قال : سمعت الشافعي يقول : وددت أن كل علم أعلمه يعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني . ( فانظر كيف اطلع على آفة العلم وطلب الاسم به ، وكيف كان منزه القلب عن الالتفات إليه بمجرد النية فيه لوجه اللّه تعالى ، وقال الشافعي ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطئ ) . وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ ، سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول : سمعت الربيع بن سليمان المرادي يقول : دخلت على الشافعي وهو مريض فسألني عن أصحابنا فقلت له : إنهم يتكلمون . فقال لي الشافعي : ما ناظرت أحدا قط على الغلبة وبودّي أن جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب يعني كتبه على أن لا ينسب إليّ منه شيء . قال هذا الكلام يوم الأحد ، ومات هو يوم الخميس ، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة ، فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين . ( وقال ) أيضا : ( ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 313 | مرتضى الزبيدي