تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
كيف يدل ذلك على زهده وغاية خوفه ؟ ولا يحصل هذا الخوف والزهد إلا من معرفة اللّه عز وجل ، فإنه :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ولم يستفد الشافعي رحمه اللّه هذا الخوف والزهد من علم كتاب السلم والإجارة وسائر كتب الفقه ، بل هو من علوم الآخرة المستخرجة من القرآن والأخبار ، إذ حكم الأوّلين والآخرين مودعة فيهما . وأما كونه عالما بأسرار القلب وعلوم الآخرة فتعرفه من الحكم المأثورة عنه . روي أنه سئل عن الرياء فقال على البديهة : الرياء فتنة عقدها الهوى حيال أبصار قلوب العلماء فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم . وقال الشافعي رحمه اللّه : إذا أنت
شرح
وفي هذه الحكاية نظر من وجوه . أما أولا اجتماع الحرث بالشافعي وقد تقدم أنه لم يثبت ، وثانيا كون الحرث تلميذا للمري وسنة وفاة المري كان الحرث لم يولد أو كان رضيعا ، وثالثا قوله فسألت من هذا بعد قوله أولا ما رأيت أورع ولا أفصح الخ . وعند التأمل يظهر فيها غير ما ذكرت والآفة فيها من البلوي ، فإنه اختلقها ، وفي الصحيح من الأقوال الدالة على زهد الشافعي وخشيته مما نقله غير واحد من أصحابه مقنع عن هذا الذي اختلفه البلوي ، ( فانظر إلى سقوطه ) على الأرض ( مغشيا عليه ، ثم ) قال ( انظر إلى وعظه ) لعمر ( كيف يدل ذلك على زهده وغاية خوفه ) من اللّه تعالى ، ( ولا يحصل هذا الخوف والزهد إلا من معرفة اللّه تعالى فإنما يخشى اللّه من عباده العلماء ) . وكان الشافعي أخشى الناس لأنه كان أعلم الناس ، ومن كان أعلم الناس كان أخشى الناس ، وهذا مركب من الضرب الأول من الشكل الأول ، والمقدمة الصغرى ينبغي أن تكون محققة باتفاق أو غيره ، فكأن كونه أعلم الناس أمر مفروغ منه حتى استنتج منه كان أخشى الناس . ( ولم يستفد الشافعي رحمه اللّه هذا الخوف ) والخشية والزهد ( من علم كتاب السلم والإجارة وسائر كتب الفقه ، بل ) استفاده ( من علوم الآخرة المستخرجة من القرآن والأخبار إذ حكم الأولين والآخرين مودعة فيهما ) أي في الكتاب والسنة علمها من علمها وجهلها من جهلها . ( وأما كونه عالما بأسرار القلب ) وعجائبه ( وعلوم الآخرة فتعرفه من الحكم المأثورة عنه ) مما جمعها غير واحد ، كالبيهقي ، والخطيب ، والحاكم ، وقد أفردت بتآليف ( روي عنه أنه سئل عن الرياء ) أي عن حقيقته ( فقال ) في الجواب ( على البديهة : الرياء فتنة عقدها الهوى ) أي هوى النفس وميلها إلى الشهوات ( حيال ) بالكسر أي تجاه ( أبصار قلوب العلماء ) أثبت للقلوب أبصارا على سبيل المجاز ( فنظروا إليها ) أي تلك الفتنة ( بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم ) أي أفسدت وأهدرت ، ويروى عنه أيضا أنه قال : لا يعرف الرياء إلا مخلص قال النووي : أي لا يتمكن في معرفة حقيقته والاطلاع على غوامض خفاته ودقائقه إلا من أراد الإخلاص فإنه يجتهد أزمانا متطاولة في البحث والفكر والتفتيش
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 310 | مرتضى الزبيدي