ألا ترى أن اللّه عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه ، وامتحن موسى عليه السلام ثم مكنه ، وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكنه ، وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكنه وآتاه ملكا ، والتمكين أفضل الدرجات ، قال اللّه عز وجل :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ *
[ يوسف : 56 ] وأيوب عليه السلام بعد المحنة العظيمة مكن ، قال اللّه تعالى :
وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
الآية . فهذا الكلام من الشافعي رحمه اللّه يدل على تبحره في أسرار القرآن واطلاعه على مقامات السائرين إلى اللّه تعالى من الأنبياء والأولياء ، وكل ذلك من علوم الآخرة . وقيل للشافعي رحمه اللّه : متى يكون الرجل عالما ؟ قال : إذا تحقق في علم الدين فعلمه وتعرض لسائر العلوم فنظر فيما فاته فعند
شرح
امتحن ) العبد ( صبر ) على المحنة ، ( وإذا صبر تمكن ) وفي نسخة : مكن ثم استدل عليه فقال : ( ألا ترى أن اللّه تعالى امتحن إبراهيم ) عليه السلام بأنواع المحن ( ثم مكنه ) بعد ، ( وامتحن موسى ) عليه السلام كذلك ( ثم مكنه ، وامتحن أيوب ) عليه السلام كذلك ( ثم مكنه ، وامتحن سليمان ) عليه السلام كذلك ( ثم آتاه ملكا ) ومكنه فيه ( صلوات اللّه عليهم أجمعين ) وإليه يشير قوله تعالى :ألم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ[ العنكبوت : 1 ، 2 ] وقوله تعالى :أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواالآية [ البقرة : 214 ] ( والتمكين أفضل الدرجات ) لأنه حال أهل الوصول ( قال اللّه تعالى :وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ )[ يوسف : 56 ] يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ، وذلك بعد أن امتحن بالسجن والجب والأسر وغير ذلك ( وأيوب ) عليه السلام ( بعد المحنة العظيمة ) المشهورة في كتب النفائس ( مكن قال اللّه تعالى :وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ )إلى آخر ( الآية ) وهو قوله عز وجل :رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ. ( فهذا الكلام من الشافعي يدل على تبحره في ) معرفة ( أسرار القرآن ) .
وروى الربيع قال : كنت يوما عند الشافعي إذ جاءه كتاب من الصعيد يسألونه عن قوله عز وجل :كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ[ المطففين : 15 ] فكتب لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا . قلت له : أو تدين بهذا يا سيدي ؟ فقال : واللّه لو لم يؤمن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا ، وقد رواه إبراهيم بن محمد بن هرم عن الشافعي ، فهذا أيضا يدل على تبحره في أسرار القرآن ( و ) يدل على ذلك أيضا على ( اطلاعه على مقامات السائرين إلى اللّه عز وجل من الأنبياء والأولياء وغير ذلك ، وكل ذلك من علوم الآخرة ) لا تعلق له بعلوم الدنيا أصلا . ( وقيل للشافعي : متى يكون الرجل عالما ) أي كاملا في العلم ؟ ( قال : إذا تحقق في علم يعلمه ) أي عرفه معرفة جيدة ، ( وتعرض ) بعد ذلك ( لسائر العلوم فنظر فيها ) بأمعان ( فإنه قيل لجالينوس ) أحد حكماء اليونان : ( إنك