تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
مقام الكاذبين وإعراض الغافلين ، اللهم لك خضعت قلوب العارفين وذلت لك رقاب المشتاقين ، إلهي هب لي جودك وجللني بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك ، قال : ثم مشى وانصرفنا فلما دخلت بغداد وكان هو بالعراق فقعدت على الشط أتوضأ للصلاة إذ مرّ بي رجل فقال لي : يا غلام أحسن وضوءك أحسن اللّه إليك في الدنيا والآخرة ، فالتفت فإذا أنا برجل يتبعه جماعة ، فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفو أثره ، فالتفت إليّ فقال : هل لك من حاجة ؟ فقلت : نعم ، تعلمني مما علمك اللّه شيئا ، فقال لي : اعلم أن من صدق اللّه نجا ، ومن أشفق على دينه سلم من الردى ، ومن زهد في الدنيا قرّت عيناه بما يراه من ثواب اللّه تعالى غدا ، أفلا أزيدك ؟ قلت : نعم ، قال من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان : من أمر بالمعروف وائتمر ونهي عن المنكر وانتهى ، وحافظ على حدود اللّه تعالى ، ألا أزيدك ؟ قلت : بلى ، فقال : كن في الدنيا زاهدا وفي الآخرة راغبا وأصدق اللّه تعالى في جميع أمورك تنج مع الناجين ، ثم مضى فسألت : من هذا ، فقالوا : هو الشافعي . فانظر إلى سقوطه مغشيا عليه ، ثم إلى وعظه
شرح
( اللهم لك خضعت قلوب العارفين و ) لك ( ذلت هيبة المشتاقين ) وفي نسخة : رقاب المشتاقين ( الهي هب لي جودك وجللني ) أي غطني ( بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك قال : ) أي عمر بن نباتة ( ثم قمنا ) من المجلس ( فانصرفنا ) من مكة ، ( فلما دخلت بغداد وكان هو ) أي الشافعي بالعراق إقليم معروف يذكر ويؤنث ، وهما عراقان عراق العرب وعراق العجم ، وبغداد والكوفة من عراق العرب ( فقعدت على الشط ) أي شط دجلة ( أتهيأ للصلاة ) بالوضوء ( إذ مربي رجل فقال يا غلام : أحسن وضوءك أحسن اللّه إليك في الدنيا والآخرة فالتفت فإذا أنا برجل تتبعه جماعة فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفو ) أي أتتبع ( أثره ) خلفه ، ( فالتفت إليّ فقال : هل من حاجة ؟ قلت : نعم تعلمني مما علمك اللّه شيئا ) أراد النصيحة ( فقال لي : اعلم أن من صدق اللّه ) أي في معاملاته ( نجا ) أي من عذابه ، ( ومن أشفق ) أي خاف ( على دينه سلم من الردى ) أي الهلاك ، ( ومن زهد في الدنيا ) بالأعراض عن لذاتها ( قرت عيناه مما يرى من ثواب اللّه غدا ) ثم قال : لما رأى من حرصه على الملتقى ، ( أفلا أزيدك ؟ قلت : نعم . قال : من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان من أمر ) غيره ( بالمعروف ) هو كل ما عرف في الشرع ( وائتمر ) بنفسه ( ونهى ) غيره ( عن المنكر ) هو كل ما أنكره الشرع ( وانتهى ) بنفسه ، ( وحافظ على حدود اللّه تعالى ) فلم يتجاوزها ، ثم قال : ( ألا أزيدك ؟ قلت : نعم . قال : كن في الدنيا زاهدا ) أي مقللا منها ( وفي الآخرة راغبا وأصدق اللّه في جميع أمورك ) سرا وعلانية ( تنج مع الناجين ، ثم مضى فسألت من هذا ؟ فقالوا : هو الشافعي ) .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 309 | مرتضى الزبيدي