تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
والزهاد فقال له عمر : ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي رضي اللّه عنه ؛ خرجت أنا وهو والحرث بن أسد إلى الصفا وكان الحرث تلميذ الصالح المري فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت ، فقرأ هذه الآية عليه :
( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ )
[ المرسلات : 35 ، 36 ] فرأيت الشافعي رحمه اللّه وقد تغيّر لونه واقشعر جلده واضطرب اضطرابا شديدا وخرّ مغشيا عليه ، فلما أفاق جعل يقول : أعوذ بك من
شرح
الجوزي وكذبه . ( قال : كنت أنا وعمر بن نباتة ) لم أعرف من حاله شيئا ولا وجدت له ذكرا في طبقة أصحاب الشافعي ولا غيرها ، وإن كان هو والد أبي نصر بن عبد العزيز فبعيد ، لأن هذا متأخر الوفاة في سنة 405 فليتحقق من حاله . ( جلوسا نتذاكر العباد والزهاد فقال لي عمر : ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي خرجت أنا وهو الحرث ابن أسد ) هو أبو عبد اللّه الحاسبي المتقدم ذكره ، وقد ذكره السمعاني في الطبقة الأولى من أصحاب الشافعي ممن صحبه ، وقد رده ابن الصلاح فقال : وصحبته للشافعي لم أر أحدا ذكرها ، وليس يعتمد على قول السمعاني فيما تفرد به والقرائن شاهدة بانتفائها اه . قال ابن السبكي : إن كان السمعاني صرح بأنه صحب الشافعي فالاعتراض عليه لائح ، وإلا فقد يكون أراد بالطبقة الأولى ممن عاصر الشافعي وكان في طبقة الآخذين عنه وقد ذكره في الطبقة الأولى أيضا أبو عاصم العباداني وقال : كان ممن عاصر الشافعي واختار مذهبه ولم يقل كان ممن صحبه ، فلعل هذا القدر مراد السمعاني اه . وقد تقدم أن وفاته ببغداد سنة 243 . ( إلى الصفا ) وهو الجبل المطل على الحرم ، ( وكان الحرث تلميذ الصالح المري ) هو الصالح بن بشير بن وادع بن أبي الأقعس أبو بشر القاضي المعروف بالمري . روي عن الحسن ، وابن سيرين ، وقتادة وغيرهم . وعنه سيار بن حاتم ، ويونس بن محمد ، وعفان وغيرهم . اختلف كلام ابن معين فيه وقال ابن عدي : هو رجل قاص حسن الصوت وعامة أحاديثه مناكير ، وعندي مع هذا أنه لا يتعمد الكذب ، بل يغلظ شيئا نقله الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ، وفي الكاشف للذهبي صالح بن أبو بشر المري الواعظ الزاهد روى عن الحسن ومحمد ، وعنه يونس المؤدب ويحيى بن يحيى وخالد بن خراش ضعفوه . وقال أبو داود : لا يكتب حديثه . توفي سنة 178 اه . وذكره العراقي في كتابه الباعث على الخلاص من حوادث القصاص في عدد يزيد الرقاشي ، والحرث بن أسد من المشهورين بالصلاح والزهد المعروفين بالضعف في رواية الحديث ، ( فافتتح ) أي الحرث ( يقرأ ) حزبا من القرآن ، ( وكان حسن الصوت فقرأ ) قوله تعالى :( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ )[ المراسلات : 35 ، 36 ] فرأيت الشافعي قد تغير لونه واقشعر جلده فاضطرب اضطرابا شديدا وخر مغشيا عليه ) خوفا من هول الموقف ، ( فلما أفاق قال : أعوذ باللّه من مقام الكذابين ) بين يديك ( وإعراض الغافلين ) عنك .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 308 | مرتضى الزبيدي