تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
وأما زهده رضي اللّه عنه فقد قال الشافعي رحمه اللّه : من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب . وقال الحميدي : خرج الشافعي رحمه اللّه إلى اليمن مع بعض الولاة فانصرف إلى مكة بعشرة آلاف درهم ، فضرب له خباء في موضع خارجا من مكة ، فكان الناس يأتونه ، فما برح من موضعه ذلك حتى فرقها كلها .
شرح
وذلك يوم العرض بين يدي اللّه تعالى فيفوز المقربون بانصبائهم ، ونور علمهم يدلهم إلى طريق الجنة ، وأهل الذنوب يحتارون في ذنوبهم فلا يهتدون سبيلا ، وأورده الدينوري في المجالسة فقال : حدثنا محمد بن عبد العزيز قال : سمعت أبي يقول : سمعت ابن السماك يقول : كتب رجل إلى أخ له يا أخي : إنك قد أوتيت علما فلا تطفئ نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم اه . فهذا الذي ذكره متعلق بعبادته رضي اللّه عنه . ( وأما زهده رضي اللّه عنه ) ؛ وهي الخصلة الثانية من الخصال الأربعة ، ( فقد قال الشافعي رحمه اللّه من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وبين خالقها في قلبه فقد كذب ) أي لأنهما ضدان لا يجتمعان إذا نزل أحدهما بالقلب ارتحل الآخر عنه . ( وقال ) أبو بكر عبد اللّه بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي ( الحميدي ) المكي منسوب إلى جده حميد بن زهير بن الحارث بن أسد . روى عن الشافعي وتفقّه عليه ، وذهب معه إلى مصر ، وعن سفيان بن عيينة ، والداروردي ، وفضيل بن عياض ، ووكيع ، وعنه البخاري ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم الرازيان توفي بمكة في سنة 219 . ( خرج الشافعي إلى اليمن مع بعض الولاة ) تقدم أنه نشأ باليمن وولي نجران وبها بنو الحرث وموالي ثقيف ، فشكوه إلى الخليفة فطلبه فدخل بغداد لأجل هذه الشكاية ، واجتمع حينئذ بمحمد بن الحسن ، ثم رجع إلى اليمن ، ( وانصرف إلى مكة بعشرة آلاف درهم فضرب خباءه في موضع خارج من مكة ، فكان الناس يأتونه فما برح من موضعه حتى فرقها كلها ) . وقد اختلف في قول الحميدي هذا فقال ابن عساكر : أخبرنا أبو الحسن القرظي ، حدثنا أبو نصر الخطيب ، حدثنا أبو بكر بن الحديد ، أخبرنا محمد بن بشر البكري ، سمعت الربيع يقول : سمعت الحميدي يقول : قدم علينا الشافعي من صنعاء فضربت له الخيمة ومعه عشرة آلاف دينار ، فجاء قوم وسألوه فما قلعت الخيمة ومعه منها شيء ، ثم روي من طريق أبي جعفر الترمذي ، عن الربيع ، عن الحميدي قال : قدم الشافعي بثلاثة آلاف دينار فدخل عليه بنو عمه وغيرهم فجعل يعطيهم حتى قام وليس معه شيء . وقال البيهقي : أخبرنا الحاكم ، سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم ، سمعت الربيع بن سليمان يقول : سمعت الحميدي يقول : قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار في منديل ، فضرب خباءه في موضع خارجا عن مكة ، وكان الناس يأتونه فيه فما برحت حتى ذهبت كلها . قال البيهقي : وقال غيره عن الربيع في هذه الحكاية : وفرق المال كله في قريش ، ثم دخل مكة .