الأعضاء تسلطا على الفقهاء وأعصاها عن الضبط والقهر ، وبه يستبين أنه كان لا يتكلم ولا يسكت إلا لنيل الفضل وطلب الثواب . وقال أحمد بن يحيى بن الوزير : خرج الشافعي رحمه اللّه تعالى يوما من سوق القناديل فتبعناه فإذا رجل يسفه على رجل من أهل العلم ، فالتفت الشافعي إلينا وقال : نزّهوا أسماعكم عن استماع الخنى كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به ، فإن المستمع شريك القائل ، وإن السفيه لينظر إلى أخبث شيء في إنائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم ولوردت كلمة السفيه لسعد رادّها كما شقي بها قائلها .
وقال الشافعي رضي اللّه عنه : كتب حكيم إلى حكيم : قد أوتيت علما فلا تدنس علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم .
شرح
بعدم النطق ( مع أنه ) أي اللسان ( أشد الأعضاء تسلطا على الفقهاء وأعصاها على الضبط والقهر ) . ومنه ما ورد في الحديث : « وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم » .
وفي الأحاديث التي لا طرق لها : « من حفظ ما بين لقلقه وذبذبه دخل الجنة » . ( وبه يستبين أنه كان لا يتكلم ولا يسكت إلا لنيل الفضل وطلب الثواب ) من اللّه تعالى .
( وقال ) أبو عبد اللّه ( أحمد بن سبط ) يحيى بن ( الوزير ) بن سليمان بن المهاجر السجيني المصري الحافظ النحوي مولاهم أحد الأئمة . روى عن عبد اللّه بن وهب ، وشعيب بن الليث ، وأصبغ بن الفرج ، وعنه النسائي وقال : ثقة . وأبو بكر بن أبي داود ولد سنة 171 ، وصحب الشافعي وتفقه له . مات في سجن أحمد بن محمد بن المدبر . لست خلون من شوّال سنة 251 .
( خرج الشافعي يوما من سوق القناديل ) ، وكان بالقرب من جامع عمرو بمصر تباع فيه القناديل ، وبإحدى أزقته ولد ابن الجواني النسابة وقد اندثر رسمه الآن ، ( فتبعناه فإذا رجل يسفه على رجل من أهل العلم ) أي يشتمه ، ( فالتفت الشافعي إلينا فقال : نزّهوا أسماعكم عن استماع الخنى ) أي الفحش من الكلام ( كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به ، فإن المستمع شريك القائل ، وإن السفيه لينظر إلى أخبث شيء في وعائه ) أي في قلبه ( فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم ) أي في قلوبكم ، ( ولو ردّت كلمة السفيه لسعد رادها كما يشقى قائلها بها ) ، وإلى هذا نظر ابن المنير فقال وأجاد :الأذن كالوردة مفتوحة * فلا تمرن عليها الخنى
فإنه أنتن من جيفة * فاحرص على الوردة أن تنتنا( وقال الشافعي رضي اللّه عنه كتب حكيم إلى حكيم ) : يا هذا ( قد أوتيت علما ) باللّه تعالى ( فلا تدنس علمك بظلمة الذنوب ) لأن معاصي اللّه تعالى لها ظلمات ، فلا يستقر النور مع تلك الظلمات لكونهما ضدين ( فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم ) ،