مصالح الخلق في الدنيا ومريدا بفقهه وجه اللّه تعالى ، فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء العصر من جملتها على خصلة واحدة ، وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه ، لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة ، وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة إن أريد بها الآخرة قل صلاحها للدنيا شمروا لها وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة ، وهيهات أن تقاس الملائكة بالحدادين ، فلنورد الآن من أحوالهم ما يدل على هذه الخصال الأربع ، فإن معرفتهم بالفقه ظاهرة .
شرح
ينتحله موجودا إلى زمان المصنف ، وكان من مشاهير من كان على مذهبه أبو عبد اللّه الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري ، وأبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن الحسين الدوي الثوريان الأخير راوي سنن النسائي ، عن أبي نصر الكسار توفي سنة إحدى وخمسمائة ، وأما الآن فلم يبق من تقيد مذهبه أو يعتزى إليه ، ( وكل واحد منهم كان ) متصفا بهذه الأوصاف الخمسة كان ( عابدا ) أي عاملا بعلمه ( وزاهدا ) في الدنيا ( وعالما بعلوم الآخرة وفقيها في مصالح الخلق في الدنيا ومريدا بفقهه وجه اللّه تعالى ، فهذه خمس خصال ) وهي العبادة والزهد والعلم الأخروي والعلم الدنيوي وحسن النية في الأخير ( اتبعهم فقهاء الفرق على كثرتهم من جملتها ) أي من جملة تلك الخصال الخمس ( على خصلة واحدة وهي التشمير ) بذل الجهد ( والمبالغة في ) حفظ ( تفاريع الفقه ) بأنواعها ، ( لأن الخصال الأربعة ) وهي العبادة والزهد والعلم الأخروي وحسن النية ( لا تصلح إلا للآخرة ، وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة وإن أريد بها الآخرة ) إذ الأعمال بالنية ( قلّ صلاحها ) ولياقتها ( بالدنيا ) ومتاعها ( تشمروا لها ) واجتهدوا في تحصيلها ( وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة ) في سائر أحوالهم ، ( وهيهات ) أي بعيد ذلك ( أن يقاس الملائكة ) ، وفي بعض النسخ الملوك ( بالحدادين ) ، وشتان ما بينهما لبعد ما بين المنزلتين ، ( فلنورد من أحوالهم ) وأخبارهم ( ما يدل على هذه الخصال الأربع ) المذكورة ، ( فإن معرفتهم بالفقه ) الظاهر ( ظاهرة ) فلا يحتاج إلى ايراد أدلة لذلك .
( أما الشافعي رضي اللّه عنه ) ؛ هو الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي ، يجتمع مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في عبد مناف ، وجده شافع الذي ينسب إليه رؤية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
ذكره جماعة من الصحابة ، وأبوه السائب أسر يوم بدر ففدى نفسه ، ثم أسلم وكان يشبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأما عثمان ولد شافع فعاش إلى خلافة السفاح ، وأما أم الإمام الشافعي ؛ فالصحيح أنها أزدية ، وقيل : هاشمية ، واسمها فاطمة بنت عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ولم يثبت هذا ، ولد بغزة سنة خمسين ومائة ، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين ، وقيل : بعسقلان والجمع بينهما ممكن ، وقال ابن طيش الذي عليه مجموع الروايات : إنه ولد بغزة ثم حمل منها إلى عسقلان ثم إلى مكة فنشأ بها ، وروى ابن أبي حاتم أنه ولد باليمن . قال الذهبي : وهو خطأ ولعله أراد بالولاية النشأة . وأما