علماء الآخرة ، فإنهم ما كانوا متجردين لعلم الفقه ، بل كانوا مشتغلين بعلم القلوب ومراقبين لها ، ولكن صرفهم عن التدريس والتصنيف فيه ما صرف الصحابة عن التصنيف والتدريس في الفقه ، مع أنهم كانوا فقهاء مستقلين بعلم الفتوى والصوارف والدواعي متيقنة ، ولا حاجة إلى ذكرها .
ونحن الآن نذكر من أحوال فقهاء الإسلام ما تعلم به أن ما ذكرناه ليس طعنا فيهم ، بل هو طعن فيمن أظهر الاقتداء بهم منتحلا مذاهبهم وهو مخالف لهم في أعمالهم وسيرهم ، فالفقهاء الذين هم زعماء الفقه وقادة الخلق . أعني الذين كثر أتباعهم في المذاهب خمسة : الشافعي ، ومالك ، وأحمد بن حنبل ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثوري رحمهم اللّه تعالى . وكل واحد منهم كان عابدا وزاهدا وعالما بعلوم الآخرة وفقيها في
شرح
السادس ، ( وإنهم ما كانوا متجردين لعلم الفقه ) أي لم تكن همتهم مصروفة إلى تحصيله فقط ، ( بل كانوا مشتغلين بعلم القلوب ) الذي هو الأهم لسالك الآخرة ( ومراقبين لها ) أي للقلوب حافظين لها مما يطرأ عليها من اللمم المختلفة ، ( ولكن صرفهم ) أي منعهم ( عن التصنيف ) أي التأليف والتدريس أي التعليم والإفادة لذلك ( فيه ) أي في علم القلوب ( ما صرف الصحابة ) رضي اللّه عنهم ( عن التصنيف والتدريس في الفقه مع أنهم كانوا فقهاء ) عرفاء ( مستقلين بعلم الفتاوى ) تلقى عنهم الأحكام ( والصوارف والدواعي متعينة ، ولا حاجة إلى ذكرها ) .
قال صاحب القوت : كان العلماء الذين هم أئمة هؤلاء العلماء من طبقات الصحابة الأربعة ومن بعد الطبقة الأولى من خيار التابعين الذين انقرضوا قبل وضع الكتب . كانوا يكرهون كتب الحديث وتصنيف الكتب لئلا يشتغل بها عن القرآن وعن التذكر والتفكر ، وقالوا : احفظوا كما كنا نحفظ ولئلا يشتغل عن اللّه برسم أو وسم ، وكذلك كانوا يتلقون العلم بعضهم من بعض ويحفظونه حفظا ظاهرا لطهارة القلوب من الريب وفراغها من أسباب الدنيا وقوّة الإيمان وصفاء اليقين وعلو الهمة وحسن النية وقوة العزيمة اه .
( ونحن الآن نورد من أحوال فقهاء الإسلام ) المشهورين بتقليد مذاهبهم ( ما يعلم به أن ما ذكرناه ليس طعنا فيهم ) ولا ازدراء بشأنهم ، ( بل هو طعن فيمن أظهر الاقتداء بمذاهبهم ) والاتباع لأقوالهم ( منتحلا ) أي منتسبا ( مذهبهم وهو ) مع ذلك ( مخالف لهم في علمهم وسيرتهم ) أي طريقتهم ، ( فالفقهاء ) السادة ( الذين هم زعماء الفقه ) أي رؤساؤه ( وقادة الخلق ) بهم يقتدون ( أعني الذين كثر أتباعهم ) ومقلدوهم ( في المذاهب خمسة ) المشهور منهم ( الآن ) أربعة لا غير . ( الشافعي ، ومالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، وسفيان الثوري رحمهم اللّه تعالى ) . وكان مذهب سفيان باقيا إلى القرن الخامس ، وكان من