من حيث أنه متكفل بعلم الدين ، بل من حيث هو متقلد بعمل يقصد به التقرب إلى اللّه عز وجل بعلمه . وأقسام ما يتقرب به إلى اللّه تعالى ثلاثة : علم مجرد وهو علم المكاشفة ، وعمل مجرد وهو كعدل السلطان مثلا وضبطه للناس ، ومركب من عمل وعلم وهو علم طريق الآخرة ، فإن صاحبه من العلماء والعمال جميعا ، فانظر إلى نفسك أتكون يوم القيامة في حزب علماء اللّه ، أو عمال اللّه تعالى ، أو في حزبيهما فتضرب بسهمك مع كل فريق منهما ، فهذا أهم عليك من التقليد لمجرد الاشتهار ، كما قيل :
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
علي أنا سننقل من سيرة فقهاء السلف ما تعلم به أن الذين انتحلوا مذاهبهم ظلموهم وانهم من أشد خصمائهم يوم القيامة فإنهم ما قصدوا بالعلم إلا وجه اللّه تعالى ، وقد شوهد من أحوالهم ما هو من علامات علماء الآخرة كما سيأتي بيانه في باب علامات
شرح
متقلد لعمل ) السياسة ( يقصد به التقرب إلى اللّه تعالى ) بامحاض النية فيه فهذه أقسام من يريد بعلمه وعمله وجه اللّه عز وجل من الفقهاء والسلاطين ، ( وأقسام ما يتقرب به إلى اللّه تعالى ثلاثة ، علم مجرد ) عن العمل أي لاحظ له فيه ( وهو علم المكاشفة ، وعمل مجرد ) عن العلم لا ينظر إليه ( كعدل السلطان مثلا وضبطه للناس ) بالسياسة ، ( و ) ما هو ( مركب من علم وعمل ) كل منهما ملاحظ ( وهو علم طريق الآخرة ) المنوط بهما ، ( فإن صاحبه من العلماء والعمال جميعا ) عالم باللّه وبأمر اللّه وعامل بما علم لوجه اللّه ، ( فانظر ) أيها المتأمل ( إلى نفسك ) تحب أن ( تكون يوم القيامة في حزب عمال اللّه ) مع السلاطين ، ( أو ) حزب ( علماء اللّه تعالى ) مع أهل المكاشفة ، ( أو في حزبهما ) معا ( فتضرب بسهمك مع كل فريق منهما ) أي تأخذ بحظك مع كل منهما ، ( فهذا ) الذي ذكرناه لك ( أهم ) وأعلى ( من التقليد ) الصرف ( بمجرد الاشتهار ) فقط ، ( كما قيل ) فيما نص في مثل هذا المقام :( خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل )زحل كصرد ممنوعا من الصرف . قال المبرد : للمعرفة والعدل كوكب من الخنس سمي به لأنه زحل أي بعد ، ويقال : إنه في السماء السابعة ، وفي بعض النسخ في طلعة البدر . ( على أنا سننقل ) في هذا الكتاب ( من سيرة فقهاء السلف ) أي طريقتهم ( ما يعلم به ) ويتحقق ( إن الذين انتحلوا ) أي اتخذوا ( مذاهبهم ) نحلة لهم أي نسبة ، والانتحال الانتساب والاعتزاء ( ظلموهم ) ونقصوا من قدرهم ( وأنهم ) أي أولئك الأئمة ( من أشد خصمائهم ) وأكبر أعدائهم ( يوم القيامة ) حين العرض بين يدي اللّه تعالى ( فإنهم ) أي الأئمة ( ما قصدوا بالعلم ) الذي حصلوه ( إلا وجه اللّه تعالى ) فقط ، ( وقد شوهد من أحوالهم ) الظاهرة في حركاتهم وسكناتهم ( ما هو علامات ) دالة على ( أنهم من علماء الآخرة ) وهو الباب