تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
من العلماء هم الفقهاء والمتكلمون ، فاعلم أن ما ينال به الفضل عند اللّه شيء وما ينال به الشهرة عند الناس شيء آخر ، فلقد كانت شهرة أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه بالخلافة وكان فضله بالسر الذي وقّر في قلبه ، وكانت شهرة عمر رضي اللّه عنه
شرح
وثياب فقال : يا أمير المؤمنين( وَالذَّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً )[ الذاريات : ] . قال عمر : أنت هو فقام إليه وحسر عن ذراعيه ، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته ، فقال : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت به رأسك ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب وأخرجوه حتى تقدموا به بلاده ، ثم ليقم خطيبا فليقل إن صبيغا ابتغى العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه . قال يزيد بن هارون : أخبرنا سليمان التميمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن صبيغ أنه سأل عمر عن المرسلات والذاريات والنازعات ، فقال له عمر : الق ما على رأسك فإذا ليس له ضفران قال : لو وجدته محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ، ثم كتب إلى أهل البصرة أن لا تجالسوه . قال أبو عثمان : كان لو أتانا ونحن مائة تفرتنا عنه ، وقال أبو شهاب ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس قال : جاء رجل إلى عمر فسأله وقال : جئت أبتغي العلم . قال : بل جئت تبتغي الضلالة ، ثم كشف عن رأسه فوجده ذا شعر فقال : لو كنت محلوقا لضربت عنقك ، وقال الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن الزهري أن عمر جلد صبيغا التميمي عن مسألته حتى اضطربت الدماء في جلده ، وقال حماد بن زيد ، عن يزيد بن حازم ، عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عسل قدم المدينة فجعل يسأل عن المتشابه ، فبعث إليه عمر وأعدّ له عراجين النخل ، فلما حضر قال له : من أنت ؟ قال : عبد اللّه صبيغ . قال : وأنا عبد اللّه عمر ، ثم قام فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم تابع ضربه حتى سال الدم على وجهه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين قد واللّه ذهب ما كنت أجد في رأسي . وقال حماد بن زيد ، عن قطر المغربي ، عن رجل ، عن أبيه قال : لقد رأيت صبيغا وإنه لمثل البعير الأجرب لا يجلس إلى قوم إلا تفرقوا وتركوه وحده . وقال هشام عن ابن سيرين قال : كتب عمر إلى أبي موسى أن لا يجالس صبيغ ، وأن يحرم عطاءه ورزقه . ويروى عن إبراهيم التميمي انه كان لبث كذلك حولا ثم أصابه الجهد ، فقام إلى أسطوانة أمير المؤمنين واستغاث ، وروجع عمر فكتب أن لا تخالطوه وأن تكونوا منه على حذر ، ويروى عن سعيد بن المسيب انه حلف لأبي موسى الايمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان شيئا ، فكتب في ذلك إلى عمر فأجابه أظنه محل صدق فخلى بينه وبين الناس ( وأما قولك إن المشهورين من العلماء ) الذين يقتدى بهم ( هم الفقهاء والمتكلمون ) خاصة ، ( فاعلم أن ما ينال به الفضل ) والرتبة والشرف ( عند اللّه ) عز وجل ( وما ينال به الشهرة ) بالنشر والتعليم ( عند الناس ) عامتهم وخاصتهم ( شيء آخر ) وهما مفترقان ، ( فلقد كانت شهرة أبي بكر رضي اللّه عنه بالخلافة ) أي بأنه خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ( وكان فضله بالسر الذي وقر في صدره ) وأودع فيه ، ( وكان شهرة عمر ) رضي اللّه عنه ( بالسياسة ) العامة في انتظام أمور الإسلام وسد أفواه المجادلين ، ( وكان فضله بالعلم باللّه تعالى الذي ) أشار ابن مسعود يوم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 296 | مرتضى الزبيدي