الفتيا في القضايا والأحكام من ترابع الولاية والسلطنة ، ولما مات عمر رضي اللّه عنه ، قال ابن مسعود : مات تسعة أعشار العلم ، فقيل له : أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة ؟
فقال : لم أرد علم الفتيا والأحكام إنما أريد العلم باللّه تعالى ، أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل ، فما بالك لا تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر تسعة أعشاره ، وهو الذي سد باب الكلام والجدل وضرب صبيغا بالدرة لما أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب اللّه وهجره وأمر الناس بهجره ، وأما قولك : إن المشهورين
شرح
القضاء والأحكام ) الشرعية ( من توابع الولاية والسلطنة ) لما مرّ : لا يفتي إلا أمير أو مأمور أو متكلف ، وتقدم الكلام عند بيان هذا الحديث . ( ولما مات ) أمير المؤمنين ( عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ) في يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ( قال ) عبد اللّه ( ابن مسعود ) رضي اللّه عنه : ( مات تسعة أعشار العلم ) . أخرجه أبو خيثمة في كتاب العلم عن جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم بن عبد اللّه قال : إنني لأحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم . ( فقيل له : أتقول ذلك ) وفي القوت تقول : هذا ( وفينا جلة الصحابة ) أي عظماؤهم ؟ ونص القوت وأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متوافرون ( فقال : لست أريد علم الفتيا والكلام إنما أريد العلم باللّه ) ، ونص القوت فقال : إني لست أعني العلم الذين تذهبون إليه إنما أعني العلم باللّه عز وجل ( أفترى ) أي تظن ( أنه ) أي ابن مسعود ( أراد ) بذلك العلم ( صنعة الكلام والجدل ) الذي هو معروف الآن ( فما بالك لا تحرص ) أيها الإنسان ( على معرفة ، ذلك العلم الذي مات بموت عمر رضي اللّه عنه تسعة أعشاره ) وهو العلم باللّه عز وجل ، ( وهو ) أي سيدنا عمر ( الذي سد باب الكلام والجدل ) وحسم مادتهما ( وضرب صبيغا بالدرة ) بكسر الدال السوط جمعها درر كسدرة وسدر . وصبيغ بالصاد المهملة المفتوحة وكسر الموحدة وسكون التحتية وآخره غين معجمة هو ابن عسل بكسر العين وسكون السين المهملتين .
هكذا ضبطه الحافظ ابن حجر في التبصير ، ووقع في نسخة القاموس عسيل ، فقيل : هو كأمير ، وقيل : كزبير كلاهما غلط : وهو رجل من بني تميم ، ثم من يربوع حدث عنه ابن أخيه عسل ابن عبد اللّه بن عسل . وقال ابن حصين : هو صبيغ بن شريك ، قال الحافظ بن حجر : والقولان صحيحان هو شريك بن صبيغ بن المنذر بن قطن بن قشع بن عسل بن عمر بن يربوع التميمي ، فمن قال صبيغ بن عسل فقد نسبه إلى جده الأعلى ، وله أخ اسمه ربيعة شهد الجمل . قال : وهو الذي يعنت الناس بالغوامض والسؤالات في متشابه القرآن ( لما أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين من كتاب اللّه ) ، فنفاه عمر إلى البصرة ( وهجره ) بعد ضربه إياه ( وأمر الناس بهجره ) بأن كتب إلى والي البصرة أن لا يؤويه تأديبا له ، فرأيت الحافظ الذهبي في كتاب له سماه ( نعم السمر في سيرة عمر ) ما نصه : حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا الجعد بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال : أتى رجل عمر فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن ، فقال : اللهم أمكني منه ، فبينا عمر جالس إذ جاءه وعليه عمامة