تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
نازلتان بالإضافة إلى علم الدين ، وعلماء الأمة المشهورون بالفضل هم الفقهاء والمتكلمون وهم أفضل الخلق عند اللّه تعالى ، فكيف تنزل درجاتهم إلى هذه المنزلة السافلة بالإضافة إلى علم الدين ؟ فاعلم أن من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال ، فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكا طريق الحق وإن قنعت بالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل بين الناس فلا تغفل عن الصحابة وعلوّ منصبهم ، فقد أجمع الذين عرضت يذكرهم على تقدمهم وإنهم لا يدرك في الدين شأوهم ولا يشق غبارهم ولم يكن تقدمهم بالكلام والفقه بل بعلم الآخرة وسلوك طريقها ، وما فضل أبو بكر رضي اللّه عنه الناس بكثرة صيام ولا صلاة ولا بكثرة رواية ولا فتوى ولا كلام ، ولكن بشيء وقّر في صدره ، كما شهد له سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فليكن حرصك في طلب ذلك
شرح
الأمة المشهورون بالفضل ) والتقدم ( هم الفقهاء والمتكلمون ) وهم زعماؤه ( وهم أفضل الخلق عند اللّه تعالى ) لإقامتهم الدين وتصحيحهم عقائد المسلمين ، ( فكيف تنزل درجاتهم إلى هذه المنزلة السافلة ) أي المنحطة ( بالإضافة إلى علم الدين ؟ فاعلم أن ) الحق لا يعرف بالرجال و ( من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال ) والمتاهة ما يحملك على التيه وهو التحير ، ( فاعرف الحق ) حيث كان ( تعرف أهله إن كنت سالكا طريق الحق ) . وفي المنقذ من الضلال للمصنف عادة ضعفاء العقول معرفة الحق بالرجال ، والعامل يقتدي بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حيث قال : لا تعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف أهله ، وهو ما روي أنه قال ذلك لمن قال له : أتظن أن طلحة والزبير كانا على الباطل ؟ فقال : يا هذا انه ملبوس عليك أن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله ، أي : ان العاقل يسمع القول ثم ينظر في نفس القول ، فإن كان حقا قبله سواء كان قائله محقا أو مبطلا ( وإن قنعت بالتقليد ) المحض وأخلدت إليه ( و ) إلى ( النظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل بين الناس فلا تغفل عن ) أحوال ( الصحابة ) رضي اللّه عنهم ( و ) انظر إلى ( علو منصبهم ) الذي أقامهم اللّه فيه ، ( فقد أجمع الذين عرضت بذكرهم ) من الفقهاء والمتكلمين ( على تقدمهم ورفعة قدرهم وأنهم لا يدرك في الدين شأوهم ولا يشق غبارهم ) لما روى البخاري في صحيحه من رواية شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد رفعه : « لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » . وتابعه جرير ومعاوية ومحاضر عن الأعمش ( ولم يكن تقدمهم بالكلام والفقه ) أي بهذين العلمين ، ( بل بعلم الآخرة ) الذي مداره على تطهير القلب وإخلاص النية ( وسلوك طريقها ) بالصبر وقمع النفس ، ( وما فضل أبو بكر ) عبد اللّه بن عثمان التيمي الصديق ( رضي اللّه عنه الناس بفضل صلاة وبكثرة صيام ولا بكثرة رواية ) للحديث ( وفتوى وكلام ، ولكن بسر ) وفي بعض النسخ : بشيء ( وقر في صدره : كما شهد له سيد البشر صلوات اللّه عليه ) وسلامه .