فإن قلت : فقد رددت حد المتكلم إلى حراسة عقيدة العوام عن تشويش المبتدعة ، كما أن حد البذرقة حراسة أقمشة الحجيج عن نهب العرب ، ورددت حد الفقيه إلى حفظ القانون الذي به يكف السلطان شر بعض أهل العدوان عن بعض ، وهاتان رتبتان
شرح
المستبصرين ولا يغيب عن الشاردين إذا كانوا منصفين ، وهو أن المتكلمين من حيث صناعة الكلام فقط لم يفارقوا عقائد العوام ، وإنما حرسوها بالجدل عن الانخرام إذ الكلام والجدل علم لفظي وأكثره احتمال وهمي وهو عمل النفس وتخليق الفهم وليس بشدة المشاهدة والكشف ، ولهذا كان فيه السمين والغث وشاع في حال انتضاله إيراد القطعي وما هو في حكمه من غلبة الظن وإبداء الصحيح والزام مذهب الخصم والمقام المشار إليه بالذكر ، وشبهه إنما هو علم الوجود وفهم الأحوال ومعرفة اليقين التام والعلم المضارع للضروري بأن لا إله إلا اللّه ولا فاعل غيره ولا حاكم سواه ، ومشاهدته بالقلوب لما حجبه عن العيون ، ومن أين للنازل طي المنازل ، ولعلم الكلام مثل هذا المقام ، بل هو في خدام الشرع وحراس نواحيه من أهل الاختلاس والقطع ، وله بركة على قدره ونفع ، ولكن شتان بين مطالع الأنوار ومدارك الاستبصار ، والمراد في أوقات الضرورات والاختيار ، وبين ما يراد لوقت حاجته إن عنت وخصام صاحب بدعة ومناضلة سخيف ذي ضلالة مما ينغص على ذي اليقين العيش ويشغل الذهن ويكدر النفس ، وأما أهله الذين حفظ عنهم ذلك لا تقول في أكثرهم أنهم لا يختصون في التوحيد بمقام سواه مما هو أعلى منه ، بل الظن بهم أنهم علماء بمثل ما ذكرنا ، لكنهم لم يعد لهم العلم في الظاهر إلا ما كانت الحاجة إليه أمس والمصلحة به لتوجه الضرورة أعم وآكد حين ظهر في وقتهم من الأهواء والبدع ، فإن ذلك كان أولى بهم من الاشتغال بفقه الأرواح والنفوس ، فإن هذه وإن كانت أهنى فذلك من علم الخواص وهم مكفون المؤنة . والعامة أحق بالحفظ وعقائدهم أولى بالحراسة ، ثم قال : ولقد كانت رعاية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحال الجماهير أكثر ، والخوف عليهم من الزيغ والهلاك أشد ، واللطف في تخفيف الوظائف والأخذ بالرفق أبلغ ، وكان يكل أهل القوّة وذوي البصائر بالحقائق إلى ما كانوا يأخذون به أنفسهم ، ثم قال : ومع ذلك فالذي حفظ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم وعن أصحابه من بعده وفقهاء الأمصار وأعيان المتكلمين من الإشارات بتلك العلوم المذكورة كثير لا يحصى ، وإنما القليل من حمله اليوم عنهم وتفقه فيه مثلهم ، فابحث تجد وتصد لاقتباس المعارف تعلم ، وطالع كتب الحديث والتاريخ ومصنفات العلوم توقن :( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ )[ البقرة : 269 ] .
( فإن قلت : فقد رددت حد المتكلم إلى حراسة عقيدة العوام عن تشويش المبتدعة ) وإيراده الشبه عليها ، ( كما أن حد البدرقة حراسة أقمشة ) جمع قماش بالضم وهو المتاع ( الحجيج عن نهب العرب ) وأخذهم إياها بالتعدي ، ( ورددت حد الفقه إلى ، حفظ القانون ) السياسي ( الذي به يكف السلطان ) أي يمنع ( شر بعض أهل العدوان ) أي التعدي ( عن بعض ، وهاتان رتبتان نازلتان ) سافلتان ( بالإضافة إلى علم الدين ، وعلماء