حاجة إليها . فإذا الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة ، وإنما حدث ذلك بحدوث البدع كما حدثت حاجة الإنسان إلى استئجار البذرقة في طريق الحج بحدوث ظلم العرب وقطعهم الطريق ، ولو ترك العرب عدوانهم لم يكن استئجار الحراس من شروط طريق الحج ؛ فلذلك لو ترك
شرح
التأويل يتعين أنها مندرجة تحتها ، وأصل جملتها أن تعلم أن الطبيعة مسخرة للّه تعالى لا تعمل بنفسها ، بل مستعملة من جهة فاطرها ، والشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات بأمره لا تعمل بنفسها بل لا فعل لشيء منها بذاته عن ذاته اه .
( فإذا الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية ) ، وأيده ابن السبكي في مواضع من طبقاته ، والمراد به علم العقائد بالحجج الشرعية والبراهين النقلية ، وهو أشرف العلوم الدينية لأنه يبحث فيه عما يتوقف صحة الإيمان عليه وتتماته اللازمة لديه ، وأما ما تنصب فيه الأدلة العقلية وتنقل فيه أقوال الفلاسفة والحكماء الطبيعية ، فقد نقل ذمه نص الإمام الشافعي رضي اللّه عنه : لأن يلقى اللّه العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام . وذكر في غياث المفتي عن أبي يوسف : أنه لا يجوز الصلاة خلف المتكلم وإن تكلم بحق لأنه مبتدع ، ولا تجوز خلف المبتدع .
وقال صاحب القوت : اعلم أن علم الكلام ينقسم سبعة أقسام . العلم منه قسم واحد وسائر الستة لغو مطروح يلتقطه من لا يعرفه ولا يفرق بين العلم والجهل ، والعرب تقول : لكل ساقطة لاقطة ولكل قائلة ناقلة ، فالستة إفك وسفه وخطأ وظن وزخرف ووسوسة هذه أسماؤها عند العلماء يفصلون ذلك مما فصل اللّه تعالى من بيانه ، واستحفظهم من كتابه ، وجعلهم شهداء على دينه وعباده . والقسم السابع من أقسام الكلام هو ما عدا هذه الستة ، ولم يقع على اسم منها اسم مذموم فهو علم وهو نص القرآن والسنة ، أو ما دلا عليه واستنبط منهما أو وجد فيهما اسمه ومعناه من قول وفعل ، والتأويل إذا لم يخرج من الإجماع داخل في العلم والاستنباط إذا كان مستودعا في الكتاب يشهد له المجمل ولا ينافيه النص فهو علم اه .
( حراسة ) أي حفظا ( لقلوب العوام ) في اعتقاداتهم ( عن تخيلات المبتدعة ) وشبههم التي يلقونها ( وإنما حدث ذلك ) بعد عصر السلف ( بحدوث البدع ) المستنكرة ( كما حدثت حاجة استئجار البذرقة ) أي الخفراء ( في طريق الحج لحدوث ظلم العرب ) وتعديهم ( وقطعهم الطريق ) على الحاج ، ( ولو ترك العرب عدوانهم ) وامتنعوا من قطع الطريق ( لم يكن استئجار الحراس من شروط طريق الحج ) إشارة إلى ما قاله الفقهاء من شروط الحج أمن الطريق ، وهو أن يكون الغالب فيه السلامة . وقد اختلف عندنا هل هو شرط الأداء أو شرط الوجوب ، وهو الصحيح وتظهر ثمرة الخلاف في وجوب الإيصاء على من لم يحج وأدركه الموت