تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
المبتدع هذيانه لما افتقر إلى الزيادة على ما عهد في عصر الصحابة رضي اللّه عنهم ، فليعلم المتكلم حدّه من الدين وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج ؛ فإذا تجرد الحارس لم يكن من جملة الحاج ، والمتكلم إذا تجرد للمناظرة والمدافعة ولم يسلك طريق الآخرة ولم يشتغل بتعهد القلب وصلاحه لم يكن من جملة علماء الدين أصلا ، وليس عند المتكلم من الدين إلا العقيدة التي يشاركه فيها سائر العوام وهي من جملة أعمال ظاهر القلب واللسان ، وإنما يتميز عن العامي بصنعة المجادلة والحراسة ، فأما معرفة اللّه تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة فلا يحصل من علم الكلام ، بل يكاد أن يكون الكلام حجابا عليه ومانعا عنه ، وإنما الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها اللّه سبحانه مقدمة للهداية حيث قال تعالى :
( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )
.
شرح
والطريق غير مأمون ، فيجب على الثاني دون الأوّل ، ولو كان الطريق بحرا لا يجب ، ولو كان نهرا أو كان الغالب في البحر السلامة يجب كذا في شرح الملتقي للبهيتي ، ( وكذلك لو ترك المبتدع هذيانه ) أي كلامه الذي لا فائدة فيه ( لما افتقر ) أي ما احتاج ( إلى الزيادة على ما عهد في عصر الصحابة ) رضي اللّه عنهم إذ كان علمهم عن مشاهدة ويقين ، ( فليعلم المتكلم حدّه من الدين وأن موقعه موقع الحارس في طريق الحج ) قطعا ، ( والمتكلم ) كذلك ( إن تجرد للمناظرة والمدافعة ) عن العوام ( ولم يسلك طريق الآخرة ولم يشتغل بتعهد القلب وصلاحه ) من طرق الأوصاف الذميمة ( لم يكن من جملة علماء الدين أصلا ) بهذا الاعتبار ، فظاهر كلام السبكي في شرح المنهاج أن المتكلم من جملة علماء الدين إذا كان على قوانين الشرع ولم يخرج عنها إلى الفلسفة . ( وليس عند المتكلم من الدين إلا العقيدة التي يشاركه سائر العوام فيها وهي من جملة أعمال ظاهر القلب واللسان ، وإنما تميز عن العامي بصنعة المجادلة ) والمناظرة ( والحراسة ) عما يرد عليها من الشكوك والشبهات ، ( فأما معرفة اللّه تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة فلا يحصل من علم الكلام ) ولا يثمره ، ( بل يكاد يكون الكلام حجابا عليه وصادا عنه ) فلا يتجاوز عن الحد الذي هو فيه ، ( وإنما الوصول إليه بالمجاهدة ) وهي مدافعة النفس والشيطان باستفراغ الوسع فيها ( التي جعلها اللّه سبحانه وتعالى مقدمة للهداية ) الحقيقة ( حيث قال : والّذين جاهدوا فينا ) أي لأجلنا أي لا للرياء والسمعة أو غيرهما( لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا )[ العنكبوت : 69 ] أي لنرشدنهم إليها وهو إشارة إلى مجاهدة النفس والشيطان وهو أصعب وأشق ، ويعبر عنها بالجهاد الأكبر ، فإن مراجعة النفس ومقاتلتها أصعب من قتال العدوّ . وقال المصنف في الاملاء في الردّ على من أنكر عليه هذا القول ، وهو أن أئمة الكلام في الاعتقاد مع العوام سواء ، وإنما فارقوهم في حراسة عقائدهم ونصه : ما رأيت في الاحياء صحيح ، ولكن بقي في كشفه أمر لا يخفى عن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 290 | مرتضى الزبيدي