والثالث : الإلهيات وهو بحث عن ذات اللّه سبحانه وتعالى وصفاته ، وهو داخل في الكلام أيضا ، والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم ، بل انفردوا بمذاهب :
بعضها كفر وبعضها بدعة ، وكما أن الاعتزال ليس علما برأسه بل أصحابه طائفة من المتكلمين وأهل البحث والنظر انفردوا بمذاهب باطلة ، فكذلك الفلاسفة .
شرح
تعلق لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر ، وإذا أنكر لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا سوء الاعتقاد في عقل المنكر ، بل في دينه الذي يزعم أنه موقوف على مثل هذا الانكار . نعم لهم نوع من الظلم في هذا العلم ، وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطا تعلم أنه يورث علم اليقين لا محالة ، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما يمكنهم الوفاء بتلك الشروط بل يتساهلوا غاية التساهل ، فربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيد بتلك البراهين فيستعجل الكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية ، فهذه الآفة أيضا تتطرق إليه اه كلامه واللّه أعلم .
( والثالث : الإلهيات ) وهي خمسة أنواع . علم الواجب وصفته ، وإليه الإشارة بقوله : ( وهو بحث عن ذات اللّه وصفاته ) . الثاني : علم الروحانيات وهي معرفة الجواهر البسيطة العقلية العنانية التي هي الملائكة . الثالث : العلوم النفسانية وهي معرفة النفوس المتجسدة والأرواح السارية في الأجسام الملكية والطبيعية من الفلك المحيط إلى مركز الأرض . الرابع : علم السياسات وهي خمسة أنواع . الأوّل : علم سياسة النبوة . الثاني : علم سياسة الملك وتحته الفلاحة والرعاية .
الثالث : علم قود الجيش ومكائد الحرب والبيطرة وآداب الملوك . الرابع : العلم المدني كعلم سياسة العامة وعلم سياسة الخاصة وهي سياسة المنزل . الخامس : علم سياسة الذات وهو علم الأخلاق ، ( وهو أيضا داخل في الكلام ) أي بالنظر إلى النوع الأوّل من أنواعه الخمسة . ( والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم ، بل انفردوا بمذاهب بعضها بدعة وبعضها كفر ، فكما أن الاعتزال ليس هو علم برأسه بل أصحابه طائفة من المتكلمين وأهل البحث والنظر انفردوا بمذاهب باطلة فكذلك الفلاسفة ) ، وقد أشبع المصنف في هذا المقام في كتابه المنقذ من الضلال ، فقال : وأما الإلهيات ففيها أكثر أغاليطهم وما قدروا على الوفاء بها بالبراهين على ما شرطوا في المنطق ، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه ومجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا يجب تكفيرهم في ثلاثة منها وتبديعهم في سبعة عشر ، ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب ( التهافت ) وأما المسائل الثلاث : فقد خالفوا فيها كافة الإسلاميين ، وذلك في قولهم : إن الأجسام لا تحشر ، وإن المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة والعقوبات روحانية لا جسمانية ، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به ، ومن ذلك قولهم : إن اللّه يعلم الكليات دون الجزئيات ، وهذا أيضا كفر صريح ، بل الحق أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، ومن ذلك قولهم : بقدم العالم وأزليته ، فلم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء من ذلك ، وأما السياسات فجميع كلامهم يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية