شرح
الناس والمنزلة بموجب السياسة والرغبة في عاجل الدنيا ، فأذهب أيامه لأيامهم واذهب عمره في شهواتهم ليسمى عالما ، ويكون في قلوب الطالبين عندهم فاضلا ، وقد جعل اللّه لكل عمل عاملا ولكل علم عالما أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب كل ميسر لما خلق له ، والمشتغل بالمنطق تراه في أكثر مناظراته يتكلم فيما لم يتكلف ، ويجادل فيما لم ينطق فيه السلف ، ويتعلم ويعلم ما علمه بتكلف .
وقد ورد في بعض الأخبار : الحياء والعي شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ، وفي بعضها مفسرا والعي عن اللسان لا عن القلب ، وفي خبر آخر أن اللّه يبغض البليغ من الرجال الذي يتحلل الكلام بلسانه ، كما تتحلل البقرة الخلا بلسانها ، والخلا : الحشيش الرطب .
وقال الحافظ الذهبي في النصيحة وهي رسالة صغيرة أرسلها إلى بعض أصحابه ما نصه : ما أحلى قول الأوزاعي عليك بآثار من سلف ولو رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول ، فنبيك صلّى اللّه عليه وسلّم هو القائل : « تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك » وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم يتنازعون في القدر فكأنه فقىء في وجهه حب الرمان وقال : أبهذا أمرتم وذكر الحديث ، فمن خاض في علم الكلام والجدل والمراء والمنطق طالبا لحقيقة معرفة حق اللّه تعالى فقد أخطأ الطريق ومآله إلى ثلاثة أحوال . أردؤها : أن يتزلزل إيمانه ويشك فيما كان مستيقنا من التوحيد الفطري والإيمان القرآني وربما تزندق . والثاني : أن يتحير ويظلم قلبه ويتنكر عيشه من تلك الشبه الرديئة التي لا تشفي غليلا في الغالب . والثالث : أنه لا يزداد بها إيمانا قبل النظر فيها فعلم الكلام داء الدين ، وعلم السنة دواء الدين ، وعلم الذكر والموعظة قوت الدين وحياة الدين ، فمن أدخل نفسه في مرض ، فإما أن يكون فيه خفه ، وإما أن يصير جسده دائم العلة يفيق تارة ويتنكس أخرى ، وإما أن يعافى من مرضه فيقوم كما كان رأسا برأس اه .
ثم ذكر اليوسي رحمة اللّه تعالى أنه تلزم السيوطي في جوابه شناعات فذكرها .
ومنها : أن هؤلاء العلماء الذي نقل عنهم هذا يلزم أن لا يثق بنقلهم الخ . فالجواب عنه أن مثل هؤلاء الذين نقل عنهم يثق بنقلهم في خصوص ما يتعلق بهذا الفن ، لأنهم زعماء فيه ولا يوثق بهم في علوم غيره ، وكما يوثق بنقل الطبيب في علم الطب ولا يوثق بنقله في غيره ، وكما يوثق بنقل بعض المبتدعة تقريرات قواعدهم لأجل الرد عليهم ، وهذا ظاهر ، ولكن شدة التعصب دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع ، ثم قال :
ومنها : أن ما يفعله أئمة الأصول والكلام في تأليفهم بتصدير الكتاب بجملة من المنطق كصاحب المختصر وصاحب الطوالع وغيرهما حرام ، ويلزمه أن لا يقرأ شيئا من هذه الكتب أو أن يتخطى ذلك الموضع ، فأقول : صاحب المختصر والطوالع وأضرابهم إنما صدروا كتبهم بجملة من المنطق بعض مسائل كتبهم عليها ولا يمتري أحد منهم أنه من جملة الفلسفة المنهي عن