شرح
الاشتغال بها ، فلا يلزم السيوطي إن تخطي تلك الجمل واستفاد من بقية الكتاب ، فيأخذ منه ما صفا ويدع ما كدر ، ولا أن تركهما رأسا فإنه ليس بمأمور في قراءتهما .
فإن قلت : كيف يستفيد من الكتاب مع توقف مسائله على تلك الجمل ؟
قلت : يستفيد منه كما يستفيد الإمام الشافعي رضي اللّه عنه الذي هو أول من استنبط علم أصول الفقه . أتظن أنه استعان في استنباطه ذلك على البراهين المنطقية ، أو خلطه حين أملاه بالجمل المنطقية فتأمل غاية التأمل ودع ما تطابق عليه الناس ، والحق أحق ان يتبع ، وانظر إلى هؤلاء العلماء المتقنين الذين صنفوا في الإسلام كتبا هي مدار أهل الإسلام وعمدتهم في فنون شتى هل خلط أحد منهم بشيء من الجمل المنطقية وحشا فيه من العلوم الفلسفية ؟ ولا أراك تنكر ذلك ، فلما ذا لا ترجع إلى الحق الصريح ولا تجد في العصر الأول من القرن الرابع والخامس من كان يتكلم فيه إلا القليل ممن أقامه اللّه لرد المبتدعة وضلال الفرق ، مع أن هؤلاء الفرق كانت في العصور الأول أكثر من هذا الزمان ومن قبل هذا كثير ، ثم هؤلاء الذين اشتغلوا به لما فرغوا من القدر المحتاج إليه تنصلوا عنه وتباعدوا وانفصلوا واقبلوا على علوم الآخرة كما هو ظاهر من حال المصنف لمن طالع كتابه المنقذ من الضلال ، ومن حال الفخر الرازي وغيره ، ومن طالع تراجمهم وأحوالهم ظهر له ما ذكرت ، ثم قال :
ومنها : أنه يلزمه أن لا يدرك إلا الكتاب والسنة ويحرم ما سواهما الخ فاعلم أن السيوطي لا يجهل أن مدارك العلوم بعد الكتاب والسنة آثار الصحابة والإجماع والقياس مثلا ، ولا يفهم من سياقه ما نسبه إليه الشيخ وأعيذه أن يوهمه بمجرد معنى يفهمه من لوازم منطوقه ، وقوله : لأن علم الكلام على منوال المنطق أي داخل في حده ، ولذلك ذم علم الكلام من ذم . وأخرج الحاكم من رواية الربيع بن سليمان قال : ناظر رجل الشافعي في مسألة فدقق والشافعي ثابت يجيب ويصيب ، فعدل الرجل إلى الكلام في مناظرته فقال له الشافعي : هذا غير ما نحن فيه هذا الكلام لست أقول بالكلام واحدة فأخرى « 1 » ليست المسألة مقلوبة ، ثم أنشأ يقول :متى تعصبت بالباطل الحق يأبه * وإن قدت بالحق الرواسي تنقد
إذا ما أتيت للأمر من غير بابه * ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتديوقال أبو يوسف رحمه اللّه : من طلب العلم بالكلام تزندق ، وقال الإمام أحمد : العلم إنما هو ما جاء من فوق يعني إلهاما . وقال أيضا : علماء أهل الكلام زنادقة ، وغير ذلك مما سيأتي للمصنف في قواعد العقائد ، فإنما ذم الكلام لأجل هذه التهويلات والتشكيكات التي خلطت به حتى صار بعد أن كان شرعيا ملحقا بالفلسفيات ، ثم قال : وما قصدنا بهذا الكلام تنقيص العلماء ولا اهتضام الجلال الخ .
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل .