شرح
بهؤلاء من جالينوس وأفلاطون ، وكونه علما برأسه مسلم ، ولكن كم من علم هو معلوم لصاحبه وصاحبه يسمى بذلك عالما إلا أنه ليس من العلوم التي ينفع صاحبه في الآخرة ، بل من علوم الدنيا المورث للصفات المتقدمة وكونه وسيلة إلى العلوم مسلم ، ولكن أكثر بحوثه ومسائله فضلة لا يفتقر معرفة الخطاب وفهمه عليها ، بل أكثرها ترهات وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين أصلا ، فكيف يقال أن تعلمها واجب ، ونحن نقول أن المطلوب الواجب من العبد من العلوم والأعمال إذ توقف على شيء منها كان ذلك الشيء واجبا وجوب الوسائل ، ومعلوم أن ذلك التوقف يختلف باختلاف الأشخاص والألسنة والأذهان ، وليس لذلك حد مقدر . ولعمري أن الشيطان حريص على إيقاع العبد في أسباب طرق الهلاك لا يفتر يقظة ولا مناما ، ولا بد له إذا أيس من أن يحول بينه وبين الإيمان الذي هو غاية مراده أن يوقعه في إحدى هؤلاء إما أن يحرضه على البدعة وهي أحب إليه من المعصية ، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها ، لأن صاحبها يرى أنه على هدى ، وإما أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ، وأما أن يسلط عليه حزبه يرمونه بالعظام ليشغل قلبه عما هواهم ، وأيضا فإن اشتغال الفكرة في صدر تحصيله مرض للقلب ، وأمراض القلوب أصعب من أراض الأبدان لأن غاية مرض البدن أن يفضي بصاحبه إلى الموت ، وأما مرض القلب فيقضي بصاحبه إلى الشقاء الأبدي ، وأين هذا من قوله تعالى :( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )[ يونس : 57 ] بل جعل بعضهم الاشتغال به نوعا من الغفلة وبمنزلة عشق الصور الذي سئل عنه بعض العلماء فقال : قلوب غفلت عن ذكر اللّه فابتلاها اللّه بعبودية غيره ، وأنت لا تجد في كتب هؤلاء ذكر اللّه وذكر رسوله قط ما عدا الخطبة ، ولا تجد مجالسهم إلا مشحونة بالجدال المذموم والخصام المنهي عنه ، والرد والتعبير والطعن والتحقير ، ومن مارسهم عرف منهم ذلك ، وما كان بهذه المثابة فأحرى أن يبذر في القلب أنواع الأماني والشبهات والشهوات والخيالات فيثمر كل شوك وكل بلاء ، ولا يزال يمده بسقيه حتى ينطوي على القلب ويعميه ، وليس له دليل أوضح من المعاينة . وانظر إلى الحديث : « نعوذ باللّه من علم لا ينفع » والمنطق لا ينفع صاحبه نعم في الدنيا لكونه يورث الجاه والسمعة والرئاسة والعلو على الإخوان ، وانظر إلى الحديث : « من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف وجوه الناس إليه لم يرح رائحة الجنة » . وهذه الأوصاف الثلاثة موجودة في المنطق .
وأخرج أبو نعيم في الحلية : « من تعلم علما مما يبتغي به وجه اللّه لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يشم رائحة الجنة » . والمنطق ليس مما يبتغي به وجه اللّه ، وإن فرض ذلك لكونه وسيلة فلا يتعلمه الإنسان إلا لإصابة غرض من الدنيا كالجاه والشهرة والرئاسة ، وهذا في علماء العجم المتأخرين الذين أكبوا على تحصيله ليلا ونهارا وصرفوا نفائس أعمارهم عليه معلوم لا يحتاج إلى برهان ، وإن كنت في ريب من ذلك فطالع تراجمهم وأحوالهم ومناظراتهم في مجالس الملوك .