تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
شرح
وقول السيوطي أنه لا ينفع في التوحيد أصلا فصحيح أيضا ، فإنه ليس المراد بقوة الإيمان الحاصل من التوحيد ما كان موثقا بالبراهين المنطقية كما يوهمه قولهم ، وإنما هو هجوم العلم بصاحبه على حقيقة الأمر ، وعلامته انشراح الصدر لمنازل الإيمان وانفساحه وطمأنينة القلب لأمر اللّه والإنابة إلى ذكر اللّه ومحبته والفوز بلقائه والتجافي عن دار الغرور ، كما في الأثر المشهور : إذا دخل النور القلب انفسخ وانشرح . قيل : وما علامة ذلك قال : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ، وهذا هو العلم التام وهو العاصم من الخطأ في الفكر . وقال الحافظ الذهبي : في زغل العلم المنطق نفعه قليل وضرره وبيل ، وما هو من علوم الإسلام ، والحق منه كامن في النفوس الزكية بعبارات غريبة ، والباطل منه فاهرب منه ، فإنك تنقطع مع خصمك وأنت تعرف أنك المحق ، وتقطع خصمك وتعرف أنك على الخطأ ، فهي عبارات دهاشة ومقدمات دكاكة ، فنسأل اللّه السلامة ، وإن قراءته للفرجة لا للحجة وللدنيا لا للآخرة ، فقد عذبت الحيوان وضيعت الزمان واللّه المستعان ، وأما الثواب فتيأس منه ولا تأمن من العقاب إلا بمتاب اه . وأعلم أنه يستعين العالم عند المشكلات في الدين ، ويحتاج إلى العارف عند شبهات حك الصدور كما قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : لا تزالوا بخير ما إذا حاك في صدور أحدكم شيء وجد من يخبره به ويشفيه منه ، وأيم اللّه أوشك أن لا تجدوا ذلك ، وقد حصلت في زمانك هذا في مثل ما خافه ابن مسعود لأن مشكلة لو وردت في معاني التوحيد ، وشبهه لو اختلجت في صدر مؤمن من معاني صفة الموحد ، وأردت كشف ذلك على حقيقة الأمر مما شهده القلب الموفق ويثلج له الصدر المشروح بالهدى ، لكان ذلك عزيزا في وقتك هذا ، فإنك إن استكشفتها من المتكلمين المناطقة الذين هم رؤساء علم التوحيد الآن أفتاك بتصور علمه عن شهادة الموقنين ، وبقياس معقوله على ظاهر الدين ، وهذا شبهة فكيف تنكشف شبهة بشبهة ، ولقد أنكر أحمد بن حنبل على الحرث المحاسبي رحمهما اللّه تعالى في الرد على المعتزلة فقال له الحرث : الرد على المبتدعة فرض ؟ فقال له أحمد : نعم ، ولكن حكيت شبهتهم أولا ، ثم أجبت عنها فبم تأمن أن يطالع الشبهة من يتعلق ذلك بفهمه ولا يلتفت إلى الجواب : أو ينظر في الجواب من لا يفهم كنهه ، وكذا أنكر على المصنف إذ كشف عن تحقيق مذاهب المبتدعة للرد عليهم وهو ببغداد وقالوا له : هذا سعي لهم فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهة لولا تحقيقك . وبالجملة : فالاشتغال بالمنطق اشتغال في فضول العلوم وغرائب الفهوم ، فإن المقصود بشهادة التوحيد الخالصة من خفايا الشرك وشغب النفاق هو حسن الأدب في المعاملة بمعرفة ويقين ، وذلك هو حال العبد من مقامه بينه وبين ربه عز وجل وحظه من مزيد آخرته والمشتغل به مشتغل بصلاح قالبه وظواهر أحواله عن باطن حاله وسبب ما بلي به حب الرئاسة وطلب الجاه عند
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 283 | مرتضى الزبيدي