تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
شرح
بإحراق كتاب الأحياء لما رأوه على طريقه غريبة تخالف ظاهر طريقة الفقهاء ، وكان من ابن رشد ما كان من الطامات ، ثم في الأواخر ظهرت من جبال تقوسة والجربة قوم خوارج نظروا في الفلسفة وخالطوا علماء الإسلام وأوردوا عليهم شبها لفقوها ، فاحتاج علماء ذلك العصر إلى الخوض في المنطق ، وتوغلوا في الكلام لأجل الرد عليهم خوفا منهم على ضعفاء العقائد من المؤمنين ، حتى جاء القطب الكامل أبو عبد اللّه سيدي محمد بن السنوسي الحسني نفع به ، فتصدى للرد عليهم وبالغ في الإنكار والتعصيب لمدافعتهم ، فألف رسائل في المنطق والكلام وشغل الناس بها ، وفي آخر الأمر دعا عليهم فأبادهم اللّه تعالى وكفى اللّه المؤمنين شرهم . وكان قصده في ذلك جميلا لأنه ذب عن عقائد المسلمين وحماها عن التسلط بإيراد الشبه عليها ، وأتى من بعده من العلماء والفضلاء فولع بطريقته مع صلاح المشار إليه وشهرته بالكرامات في ذلك القطر ، وتلقاها خلف عن سلف وخاضوا فيها ، صاروا أئمة في ذلك يشار إليهم بالبنان ، ثم اختلط الأمر بعد ذلك ونشأ بعدهم من تلقى عنهم ذلك ، أنه لا كمال إلا فيما هو مشتغل به ، فصار ما يشتغل به من المنطق وغيره كالغذاء له ، فلا يسمع فيه عذل عاذل ولا لوم لائم ، حتى نزعت رواية الحديث والآثار الأخبارية بقيت على نهج الرعيل الأول ، حتى ترى عصر شيوخ مشايخنا منهم الذين وفدوا مصر لم يكن عندهم من الرواية إلا شيء قليل فبسبب ذلك راج أمره في مصر ، وكبوا على تحصيله بعد أن لم يكونوا يشتغلون به إلا مذاكرة في بعض الأحيان تشحيذا للأذهان ، وهذا هو السبب في اضمحلال علم الحديث ودروس آثاره وقلة حملته وذهاب أحباره ، فإذا عرفت ما ذكرناه لك إجمالا فاعلم أن قول السيوطي في جواب السائل أنه أي المنطق خبيث صحيح ، وتقرير ذلك أن القلب يعترضه مرضان يتواردان عليه إذا استحكما فيه كان هلاكه وموته ، وهما مرض الشهوات وهو أصعبهما وأقتلهما للقلب ، وإليه يشير قوله تعالى في حق المنافقين :( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً )[ البقرة : 10 ] وقوله تعالى :( لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ )[ الحج : 53 ] ومن أمراض القلب حب الرئاسة والعلو في الأرض ، وهذا المرض مركب من مرض الشهوة والشبهة ، فإنه لا بد فيه من تخيل فاسد وإرادة باطلة كالعجب والفخر والخيلاء والكبر المركب من تخيل عظمته وفضله ، وإرادة تعظيم الخلق له ومحمدتهم ، فلا يخرج مرضه عن شهوة أو شبهة أو مركب منهما ، وهذه الأمراض إذ تدبرت لها بالفكر الصحيح مفسدة للقلب متولدة من المنطق ، فهو أحرى بأن يسمى خبيثا ، لذلك فإن الخبيث ضد الطيب وما يفسد القلب الذي هو خزانة اللّه لأسرار معرفته فهو خبيث مخبث ، وإذا فسد القلب فسد الفكر فلا يخطر بباله سوى مناقضات ومجادلات مذمومة بينها وبين علماء الآخرة فرق كثير ، وأما قول السيوطي : أنه مذموم فصحيح أيضا نظرا لما ذكرنا ، وناهيك من ذمه من علماء الإسلام كأبي سعيد السيرافي النحوي ، وأبي طالب المكي ، والقاضي أبي بكر بن الطيب ، والإمام أبي المعالي ، وأبي القاسم الأنصاري وأبي عمرو بن الصلاح ، والشرف النووي ، والحافظ ابن تيمية وغيرهم وهم كثيرون ، فهؤلاء أساطين الإسلام وعمد الدين ، وكفى للسيوطي أسوة