تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
شرح
سمعت بأمر ما سمعت بمثله * وكل حديث حكمه حكم أصله أيمكن أن المرء في العلم حجة * وينهى عن الفرقان في بعض قوله هل المنطق المعني إلا عبارة * عن الحق أو تحقيقه حين جهله معانيه في كل الكلام فهل ترى * دليلا صحيحا لا يرد لشكله أو هل هداك اللّه منه قضية * عن غير هذا تنفها عن محله ودع عنك أبداه كفور وذمه * رجال وإن أثبت حجة نقله خذ العلم حتى من كفور ولا تقم * دليلا على شخص بمذهب مثله عرفناهم بالحق لا العكس فاستبن * به لا بهم إذ هم هداة لأجله لئن صح عنهم ما ذكرت فكم هم * وكم عالم بالشرع باح بفضلهوأراد بالفرقان المنطق لأنه يفرق بين الخطا والصواب ، وفي قوله : أن أثبت حجة نقله مع قوله قبله ما سمعت ، وقوله عقبة : لئن صح عنهم ما ذكرت إشارة إلى عدم تسليم صحة ما نقله ، وتأمل ما أشار إليه رحمة اللّه تعالى في أبياته من الردود القاطعة والأجوبة القامعة ، ولولا خشية الإطالة لوشحنا هذه الأبيات بما يحرر في هذا المبحث أقصى الغايات وتنصب على منهجه سواطع الآيات اه كلام اليوسي رحمه اللّه تعالى . قلت : أعلم أن الشيخ أبا الوفاء الحسن بن مسعود اليوسي ، وأبا عبد اللّه محمد بن عبد الكريم المغيلي لا ينكر فضلهما ولا جلالة قدرهما ، وأين هما من معرفة مقام السيوطي ، فإن لكل علم رجالا ، ولنقدم قبل الخوض في الكلام بمقدمة لطيفة ، ثم نتكلم معهما بالإنصاف وإن لم أبلغ شأوهما إن الإنسان قد ينشأ في قطر ألف أهله فنا من الفنون وتعودوا على تحصيله فيربى عليه من الصغر حتى يصير ذلك عادة له وديدنا ، كما يتربى اللحم والعظام على القدر المعتاد ، والعادة إذا قويت غلبت حكم الطبيعة ، ولذا قيل : هي طبيعة ثانية ثم يأتيه ما يخالفه وهلة واحدة يريد إزالته واخراجه من قلبه ، وإن يسكن موضعه فيعسر عليه الإنتقال ويصعب عليه الزوال ، وهذا أغلب الأسباب على أرباب المقالات والنحل ليس على أكثرهم بل جميعهم ، إلا ما عسى أن يشذ إلّا عادة ومربى تربى عليه طفلا لا يعرف غيره ولا يحس به ، فالإنتقال عنه كالإنفكاك عن الطبيعة إلى طبيعة ثانية . وكان قطر المغرب المحروس في أول ما نشأ فيه الإسلام الغالب على أهله الميل إلى علوم الشريعة ، وعدم الخوض في علوم الفلسفة رأسا ، فكان فيهم مثل الإمام الحافظ بقي بن مخلد القرطبي صاحب المسند المشهور ، وابن حزم ، وابن عبد البر وأمثالهم ، ثم القاضي عياض ، وأبو عبد اللّه المازري والطرطوشي وأمثالهم ، فهؤلاء كانوا في غاية الصلابة في علوم الشريعة وذم الفلسفة وعدم النظر في كتبهم ، ولما كان القرن الخامس وفد جماعة منهم إلى عراق العجم ونقلوا عنهم المنطق وغيره ، فكان من الإمام المازري وابن حرزهم والقاضي عياض ما كان في افتائهم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 280 | مرتضى الزبيدي