تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
شرح
بهذه المثابة ليس له من العلوم مشاركة ، ولا يستحق جوابا ويقتضي أنه لم يدرك شيئا من العلوم أصلا ، لأن جميع النسب ليست خارجية بل معان إما كلية أو جزئية ، وهذه المنزلة لم يكن فيها شيء من الحيوانات الناطقة ولا العجم ، أما الناطقة فلأنها تدرك الثلاثة أعني المعاني الكلية والصور الخارجية ، والمعاني الجزئية موجودة في الصور أم لا ، وأما العجم فلأنها تدرك الصور والمعاني الجزئية الموجودة فيها . أما الحاضر المدرك في الخارج فليس من الحيوانات أصلا . ومنها : أن هؤلاء العلماء الذين نقل عنهم هذا يلزمه أن لا يثق بنقلهم لأنهم فساق حيث اشتغلوا بالمنطق المحرم لاعترافه أنهم عارفون به . ومنها : ما يفعله أئمة الأصول والكلام في تأليفهم بتصدير الكتاب بجملة من المنطق كصاحب المختصر ، وصاحب الطوالع وغيرهما حرام ، ويلزمه أن لا يقرأ شيئا من هذه الكتب أو أن يتخطى ذلك الموضع . منها : أنه يلزمه أن لا يدرك إلا الكتاب والسنة ويحرم ما سواهما كما تقدم من مذهب الحشوية ، والظاهرية ، لأن علم الكلام إنما هو على منوال المنطق إلى غير هذا من النكت السوء التي يسفر عنها وجه هذا الكلام مع ما قبله وما بعده ، ومفاسد قلة التأمل أكثر من أن يحيط بها نطاق البيان ، ومن ادعى على غير بصيرته فضحته شواهد العيان ، ولو تصدينا لهذه المسألة لأسمعناك منها ما يثلج الصدور ويطلع في سمائها لوامع البدور ، ولكن أعرضنا عنها مخافة السآمة ، وقد كنت هممت لما اطلعت على ذلك الكلام أن أضع فيها جزءا مستقلا ، فرأيت ذلك كالبطالة ، ولولا أن يستميل البلداء ما في مقالتي من الإغراب ، ويظنوا أنه هو فصل الخطاب لكان السكوت عن هذه المسألة رأسا هو الصواب وإعارتها أذنا صماء هو غاية الجواب .ورب كلام طار فوق مسامعي * كما طار في لوح الهواء ذبابوما قصدنا بهذا الكلام تنقيص العلماء ولا اهتضام الجلال السيوطي ، وإنما ألزمناه ذلك لكلامه وإنا نعلم أنه من الفضلاء ، وأنه ليس بتلك المنزلة التي ألزمناه ، لكن وإن كان بعين التوقير والإجلال ، فالحق أحق أن يتبع ، ومن كلام أرسطو الحكيم في حق شيخه أفلاطون إنا نحب الحق ونحب أفلاطون ما اتفقا فإذا اختلفا كان الحق أولى منه . هذا إن أراد تحريم المنطق رأسا ، وأما إن أراد الزجر عن التوغل فيه والإفراط والاشتغال بتمشدق فيه عن الكتاب والسنة ، أو أراد نهي البليد عن الخوض فيه ، فهذا مسلم صحيح ، وكذا بطلان ذلك الكلام المسؤول عنه ، وما ذكر في المنطق هو كذلك ، وبعد كتبي هذا رأيت كلام الشيخ الماهر الفقيه المتبحر أبي عبد اللّه محمد بن عبد الكريم المغيلي في رده على السيوطي وكان السيوطي إذا ألف تأليفا بعثه إليه ، فلما ألف تأليفه الذي سماه ( القول المشرق في تحريم المنطق ) بعثه إليه فرد عليه المغيلي غاية الرد ، وبالغ في الإنكار عليه ، وقال في ذلك قصيدة منها :