تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
شرح
لا يعرف الشوق إلا من يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيهافاللائق بابن الصلاح وأمثاله أن يشكر اللّه تعالى على ما أنعم به عليه من الخير ، وما قيض له الغزالي وأمثاله الذين تقدموه حتى حفظوا له ما يتعبد وما يشتغل به اه . وقال العلامة الحسن اليوسي في حاشيته على الكبرى ما نصه : وممن تفوّه بذمه السيوطي ذكر في كتابه الحاوي في الفتاوي أنه سئل عن إنسان كان يقول أن توحيد اللّه متوقف على علم المنطق ، وأن علم المنطق فرض عين على كل مسلم ، وأن لكل متعلم منه بكل حرف عشر حسنات ، ولا يصح توحيد من لا يعلمه وإن أفتى وهو لا يعلمه فما يفتي به باطل . فأجاب بأن المنطق خبيث مذموم يحرم الاشتغال به ، وذكر أنه لا ثمرة له دينية أصلا بل ولا دنيوية ، وذكر جماعة نقل عنهم ذلك ، ثم ذكر أن المنطق لو قدر أنه لا ضرر فيه وأنه حق لم ينفع في التوحيد أصلا ولا يظن أنه ينفع فيه إلا من هو جاهل بالمنطق لا يعرفه ، لأن المنطق إنما براهينه على الكليات والكليات لا وجود لها في الخارج ، ولا تدل على جزئي أصلا . قال : هكذا قرره المحققون والعارفون بالمنطق . قال : فهذا الكلام الذي ذكره القائل استدللنا به على أنه لا يعرف المنطق ولا يحسنه ، فلزم بمقتضى قوله أنه مشرك لأنه قال : التوحيد متوقف على معرفته وهو لم يعرفه بعد هذا حاصل الغرض من كلامه ، وقد علمت مما مر سقوط هذا الكلام وما احتوى عليه من التخيلات والأوهام . أما قوله : أنه خبيث مذموم فهو دعوى تقدم بيان فسادها ، وأما قوله : إنه لا منفعة له فإنكار للمحسوس ولكن :ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة * أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصروكيف يحكم عليه بعدم الفائدة وهو لا يعرفه لكن من جهل شيئا عاداه .قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم فإذا كنت بالمدارك غرا * ثم أبصرت حاذقا لا تمادي وإذا لم تر الهلال فسلم * لا ناس رأوه بالأبصاروأما قوله : إن الكليات لا وجود لها في الخارج فأعجب أن يصدر هذا الكلام احتجاجا في نحو هذا المقام عن عاقل فضلا عن فاضل وما كنت أحسبه بهذه المنزلة ، ولقد كنت أراه رحمه اللّه تعالى يرتفع عنها وممن له مشاركة ، وهذا الكلام ينبئ أنه لم يشم رائحة المعقول وتلزمه عليه شناعات . منها : أن هذا الكلام الذي استدل به يستدعي ويقتضي أنه يزعم أن جميع العلوم التي ينتحلها خارجية أي محسوسة ، وهذا مع بداهة بطلانه ومضاهاته قول السمنية ، وكونه من قبيل السوفسطاية يقتضي أنه لم يدرك قانونا فقهيا ولا أصوليا ولا نحويا ولا غير ذلك ، وإن جميع ما يذركه منها جزئيات خارجية إذ لو كان غير ذلك لكان مما يفيده المنطق فتكون له ثمرة ، ولا خفاء إن من كان