تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
شرح
أئمة العربية وتصانيفهم ، وأئمة التفسير وتصانيفهم لمن نظر فيها هل راعوا فيها حدود المنطق وأوضاعه ، وهل صح لهم علمهم بدونه أم لا ، بل كانوا أجل قدرا وأعظم عقولا من أن يشغلوا أفكارهم بهذيان المنطقيين ، وما دخل المنطق على علم إلا وأفسده وغيّر أوضاعه وشوّش قواعده اه . وقال علي القاري : هو من العلوم المذمومة ويسمى دهليز الكفر . ونقل عن ابن تيمية أنه قال : ما أظن اللّه عز وجل يغفل على المأمون ولا بد أن يعاقبه بما أدخل على الأمة من نقل هذا العلم من اليونانية إلى العربية اه . وأما الجواب عن الغزالي فيما أورده عليه ابن الصلاح على مقالته التي سبقت في أول كتابه المستصفى ، فقال الشيخ تقي الدين السبكي بعد كلام طويل : ولا ننكر فضل الشيخ تقي الدين بن الصلاح وفقهه وحديثه وقصده الخير ، ولكن لكل عمل رجال ، وأما من ذكر أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهم في هذا المقام ، فاللّه يوفقنا وإياه لفهم مقامهما على قدرنا ، وأما على قدرهما فمستحيل بل وسائر الصحابة لا يصل أحد ممن بعدهم إلى مرتبتهم ، لأن أكثر العلوم التي نحن نتبع وندأب فيها الليل والنهار حاصلة عندهم بأصل الخلقة من اللغة والنحو والتصريف وأصول الفقه ، وما عندهم من العقول الراجحة ، وما أفاض اللّه عليها من نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر يغني عن المنطق وغيره من العلوم العقلية ، وما ألف اللّه بين قلوبهم حتى صاروا بنعمته إخوانا يغني عن الاستعداد في المناظرة والمجادلة ، فلم يكونوا يحتاجون في علمهم إلا إلى ما يسمعونه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الكتاب فيفهمونه أحسن فهم ، ويحملونه على أحسن محمل ، وينزلونه منزلته ، وليس بينهم من يماري فيه ولا يجادل ولا بدعة ولا ضلالة ، ثم التابعون على منوالهم قريبا منهم ، ثم أتباعهم وهم القرون الثلاثة التي شهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأنها خير القرون بعده ، ثم نشأ بعدهم وربما في أثناء الثاني والثالث أصحاب بدع وضلالات ، فاحتاج العلماء من أهل السنة إلى مقاومتهم ومجادلتهم ومناظرتهم حتى لا يلبسوا على الضعفاء أمر دينهم ، ولا يدخلوا في الدين ما ليس منه . ودخل في كلام أهل البدع من كلام المنطقيين وغيرهم من أهل الإلحاد شيء كثير ، ورتبوا عليها شبها كثيرة ، فإن تركناهم وما يصنعون استولوا على كثير من الضعفاء وعوام المسلمين والقاصرين من فقهائهم وعلمائهم فأضلوهم وغيّروا ما عندهم من الاعتقادات الصحيحة ، وانتشرت البدع والحوادث ، ولم يكن كل واحد يقاومهم ، وقد لا يفهم كلامهم لعدم اشتغاله به ، وإنما يرد على الكلام من يفهمه ، ومتى لم يرد عليه تعلو كلمته ، ويعتقد الجاهلون والأمراء والملوك المستولون على الرعية صحة كلام ذلك المبتدع ، كما اتفق في كثير من الأعصار وقصرت همم الناس عما كان عليه المتقدمون ، فكان الواجب أن يكون في الناس من يحفظ اللّه به عقائد عباده الصالحين ويدفع به شبه الملحدين ، وأجره أعظم من أجر المجاهد بكثير ، وبه يحفظ أمر بقية الناس وعبادات المتعبدين واشتغال الفقهاء والمحدثين والمفسرين والمقرين وانقطاع الزاهدين :