تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الأول . وكان الخوض فيه بالكلية من البدع ، ولكن تغير الآن حكمه إذ حدثت البدع الصارفة عن مقتضى القرآن والسنّة ، ونبغت جماعة لفّقوا لها شبها ورتبوا فيها كلاما مؤلفا ، فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونا فيه ، بل صار من فروض الكفايات وهو القدر الذي يقابل به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة ، وذلك إلى حد محدود - سنذكره في الباب الذي يلي هذا إن شاء اللّه تعالى - ( وأما الفلسفة ) فليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء . أحدها : الهندسة والحساب ، وهما مباحان كما سبق ولا يمنع عنهما إلا من يخاف عليه
شرح
ومن العجائب والعجائب جمّة * قرب الحبيب وما إليه وصول كالعيس في البيداء يقتلها الظما * والماء فوق ظهورها محمولوإذا هو كما قيل بل فوق ما قيل :كفى وشفى ما في الفؤاد فلم يدع * لذي أرب في القول جدا ولا هزلاوالمقصود : أن القرآن مملوء بالاحتجاج وفيه جميع أنواع الأدلة والأقيسة الصحيحة ، وأمر صلّى اللّه عليه وسلّم فيه بإقامتها ، وهذه مناظرات القرآن مع الكفار موجودة ، ومناظراته صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه لخصومهم لا ينكرها إلا جاهل مفرط في الجهل ، كما سيأتي بيان ذلك في كتاب قواعد العقائد ، ثم اعتذر المصنف فقال : ( ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الأوّل ) عند الصحابة والتابعين ، ( فكان الخوض فيه بالكلية من البدع ) والمنكرات ، ( ولكن تغير الآن حكمه ) باختلاف الأزمنة ( إذ حدثت البدع ) من المبتدعة ( الصارفة عن مقتضى نص القرآن والسنّة ) ، ومقتضى النص ما لا يدل اللفظ عليه ولا يكون ملفوظا لكن يكون من ضرورة اللفظ ، ( ونبغت ) أي ظهرت ( جماعة لفّقوا ) أي جمعوا ( لها ) لتلك البدع ( شبها ) وايرادات ( ورتبوا فيها كلاما مؤلفا ) يقرؤه الناس ، ( فصار ذلك المحذور ) أي الممنوع منه ( بحكم الضرورة ) والاحتياج ( مأذونا ) بالتكلم ( فيه ) تعلما وتعليما ، ( بل صار ) القدر المحتاج إليه ( من فروض الكفايات ) . وقال السبكي : ولا شك أن السكوت عنه ما لم تدع إليه الحاجة أولى ، والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة وحيث دعت إليه الحاجة فلا بأس به ، ( وهو القدر الذي يقابل به المبتدع إذا قصد الدعوة ) أي دعاء الناس ( إلى البدعة ) وحملهم عليها ، ( وذلك إلى حد محدود ) معين ، وما زاد وتجاوز عن ذلك الحد فمضر مذموم ، وذلك المحدود ( سنذكره في الباب الذي يلي هذا ) إن شاء اللّه تعالى . ( وأما الفلسفة ) وهي معرفة علوم يحصل بها التشبه بأخلاق الإله بحسب الطاقة البشرية لتحصيل السعادة الأبدية في زعمهم ، ( فليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء ) يطلق على الكل بهذا الاسم . ( أحدها : الهندسة والحساب وهما مباحان كما سبق وما يمنع منهما إلا من يخاف عليه أن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 274 | مرتضى الزبيدي