صوفيا ولا جعلك صوفيا صاحب حديث : أشار إلى أن من حصل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح ، ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه .
فإن قلت : فلم لم تورد في أقسام العلوم : الكلام والفلسفة ، وتبين أنهما مذمومان أو محمودان ؟ فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها ، فالقرآن
شرح
حصل الحديث والعلم بالأحكام أولا ثم تصوف أفلح ) ، لأن التصوف عبارة عن تطهير السرائر وتزكيتها عن الأخلاق المذمومة وهو متوقف على تحصيل العلوم الشرعية يهتدي بها في سلوكه ، والمراد من تحصيل الحديث أخذه عن الثقات وحفظه ثم العمل به ، والمراد بالعلم التفقه في الدين فيكون من عطف العام على الخاص ، ( ومن تصوف قبل ) تحصيل ( العلم ) المعهود ( خاطر بنفسه ) أي أوقعها في الخطر والهلاك ولا يفلح أبدا . وفي القوت بعد ما أورد قول السري هذا ما نصه : يعني انك إذا ابتدأت بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول والسنن ، ثم تزهدت وتعبدت تقدمت في علم الصوفية وكنت صوفيا عارفا ، وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت به عن العلم والسنن ، فخرجت إما شاطحا أو غالطا لجهلك بالأصول والسنن ، فأحسن أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر وكتب الحديث لأنه هو الأصل ، وقد قيل : إنما حرموا الوصول لتضييع الأصول هي كتب الأصول ومعرفة الآثار والسنن اه .
وفي الرسالة للقشيري ، ويحكى عن السري أنه قال : المتصوف اسم لثلاث معان وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يتكلم لباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب ، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم اللّه . وقال الجنيد : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . قال : وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت أبا عمر الأنماطي يقول : سمعت الجنيد يقول : من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يهتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنّة ، وسمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا نصر الأصفهاني يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول ، عن الجنيد : مذهبنا هذا مقيد بالأصول والكتاب والسنّة اه .
فهذا وأمثال ذلك مما يؤيد قوله السابق في تقديم الحديث على التصوف ، ومن هنا قال بعضهم : من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق .
( فإن قلت : فلم لم تورد في أقسام العلوم ) علم ( الكلام وعلم الفلسفة ) مع شدة شهرتهما وإكباب الناس على تحصيلهما ( وتبين انهما مذمومان ) فيتركان ( أو محمودان ) فيعتنى بهما ؛ ( فاعلم أن ) علم ( الكلام ) وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها ، ( وحاصل ما يشتمل عليه ) علم ( الكلام من الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن