تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
والأخبار مشتملة عليه ، وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع كما سيأتي بيانه ، وإما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق ، وتطويل بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماع ، وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين
شرح
والاخبار ) النبوية ( مشتملة عليه وما خرج عنهما ) أي : عن الكتاب والسنّة ( فهو ) لا يخلو من حالتين . ( إما مجادلة مذمومة ) نهى الشارع عنها ( وهي من البدع كما سيأتي بيانه ، وإما مشاغبة ) أي مخاصمة مع رفع الصوت ( بالتعلق بمناقضات الفرق ) أي المسائل التي ناقض بها بعضهم بعضا ، ( وتطويل ) وقت ( بنقل المقالات ) الكثيرة المختلفة ( التي أكثرها ترهات ) أي بواطل . قال الزمخشري : والترهات في الأصل للطرق الصغيرة المتشعبة من الجادة ، ثم استعيرت في الأقاويل الخالية عن طائل ( وهذيانات ) لا مزية فيها ( تزدريها ) أي تحقرها ( الطباع ) السليمة ( وتمجها ) تلقيها ( الأسماع ) المستقيمة ، ( وبعضها خوض ) واشتغال ( فيما لا يتعلق بالدين ) أصلا . وفي سياق هذا الكلام رد على بعض جهال المناطقة الزاعمين أن الشريعة خطاب للجمهور ولا احتجاج فيها ، وأن الأنبياء دعوا الجمهور بطريق الخطاب والحجج للخواص ، وهم أهل البرهان يعنون نفوسهم ، ومن سلك طريقتهم وربما تعلق بعضهم بظاهر قوله تعالى :( وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ )[ الشورى : 15 ] ، وهذا الذي فهموه ليس بشيء ، ومعنى الآية قد وضح الحق واستبان وظهر ، فلا خصومة بيننا وبينكم بعد ظهوره ولا مجادلة ، فإن الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق ، فإذا ظهر الحق ولم يبق به خفاء فلا فائدة في الخصومة والجدال على بصيرة ، فمخاصمة المنكر ومجادلته عناد لا غنى فيه . هذا معنى هذه الآية . وأما إنكارهم الاحتجاج في القرآن فمن جهلهم بالشريعة والقرآن ، فإن القرآن مملوء من الحجج والأدلة والبراهين في مسائل التوحيد ، وإثبات الصانع والمعاد ، وإرسال الرسل وحدوث العالم ، فلا يذكر المتكلمون وغيرهم دليلا صحيحا على ذلك إلا وهو في القرآن بأفصح عبارة وأتم معنى ، وقد اعترف بذلك حذاقهم من المتقدمين والمتأخرين ، فمن ذلك تقرير المصنف السابق ، ومن ذلك قال الفخر الرازي في كتابه أقسام اللذات : لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا ، ورأيت أقرب الطريق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ )[ فاطر : 10 ]( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى )[ طه : 5 ] وأقرأ في النفي( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )[ الشورى : 11 ] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ، وقال بعضهم : أفنيت عمري في الكلام أطلب الدليل ، وإذا أنا لا أزداد إلا بعدا عنه فرجعت إلى القرآن أتدبره وأتفكر فيه ، وإذا أنا بالدليل حقا معي وأنا لا أشعر به ، فقلت : واللّه ما مثلي إلا كما قال القائل :