تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب ويسأله : كيف يفعل في كذا أو كذا ؟ فيقال له : مثلك يسأل هذا البدوي ؟ فيقول : إن هذا وفق لما أغفلناه .
شرح
من القوت ونصه : وقد كان علماء الظاهر إذا أشكل عليهم العلم في المسألة لاختلاف الأدلة سألوا أهل العلم باللّه لأنهم أقرب إلى التوفيق عندهم وأبعد من الهوى والمعصية . ( وكان الشافعي ) رحمه اللّه ونص القوت منهم الشافعي رحمه اللّه : كان إذا اشتبهت عليه المسألة لاختلاف العلماء فيها وتكافىء الاستدلال عليها رجع إلى علماء أهل المعرفة فسألهم ، وكان ( يجلس بين يدي شيبان الراعي ) أحد الأولياء العارفين المشهورين بالصلاح والتقوى ترجمه الحافظ أبو نعيم باختصار جدا ، وكذا الحافظ الذهبي وهذا نصه : شيبان الراعي عبد صالح زاهد قانت للّه لا أعلم متى توفي ولا من حمل عنه ولا ذكر له أبو نعيم في الحلية إلا حكاية واحدة عن محمد بن حمزة المربضي قال : كان شيبان الراعي إذا أجنب وليس عنده ماء دعا فجاءت سحابة فأظلته فاغتسل منها ، وكان يذهب إلى الجمعة فيخط على غنمه فيجيء فيجدها على حالتها اه . قلت : مات بمصر ودفن بقرب المزني بينه وبين قبر الخياط أحد الصالحين ، وزعم أهل أسيوط أنه مدفون عندهم ، وقد زرته حين دخلت بها ، وذكر المناوي في طبقاته : أن أبا علي بن سينا كاتب شيبان الراعي بما نصه الحكمة صناعة نظرية يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود بأسره في نفسه ، وما عليه الواجب فيما ينبغي أن يكتسبه بعلمه فتفوق بذلك نفسه ، ويستكمل ويصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود ويستعد للسعادة القصوى في الآخرة ، وذلك بحسب الطاقة الإنسانية والعقل له مراتب وأسماء بحسب تلك المراتب ، فالأوّل هو الذي استعد به الإنسان لقبول العلوم النظرية والصنائع الفكرية وحدة غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية ، ثم يترقى في معرفة المستحيل ، والممكن والواجب ، ثم ينتهي إلى حد يقمع الشهوات البهيمية واللذات الحسية فتنجلي له صورة الملائكة إذا تحلى بحليها ويعلم بغايته وموضعه ولما خلق فأجاب من شيبان الإبله الألكن إلى الحبر أبي علي وصل كتابك مشتملا على ماهية العقل وحقيقته ، وقد ألفيته وافيا بمقصودك لا بمقصودي ، وما أظنه أدرك شيبان ولا طبقة من روى عنه فتأمل ذلك ، ( كما يقعد الصبي في المكتب بين يدي المعلم ) ونص القوت بين يدي المكتب ، ( ويسأله كيف يفعل في كذا وكذا ) لمسائل يذكرها ( فيقال له ) يا أبا عبد اللّه : ( تسأل هذا البدوي ) أي لأنه كان على هيئتهم ويرعى الغنم ولا يخالط الناس ومعرفة العلوم بعيدة عن مثلهم ( فيقول : إن هذا وفق لما أغفلناه ) وفي القوت : لما علمناه أي قد كشف له الغطاء ، فصارت المعلومات عنده يقينية . وفي المقاصد للحافظ السخاوي : أنكر الإمام ابن تيمية اجتماع الإمام الشافعي مع شيبان الراعي فقال ما نصه : ما اشتهر بأن الشافعي وأحمد اجتمعا بشيبان الراعي وسألاه فباطل باتفاق أهل المعرفة ، لأنهما لم يدركاه اه . أي : لم يدركا عصره لتقدم وفاته ، وقد تقدم أن الذهبي قال : لا أعلم متى توفي وقد أثبت لقيهما إياه غير واحد من العلماء ، ففي الفتوحات للشيخ الأكبر قدس سره ما نصه : لما سأله أحمد