على علم الفقه لا سيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع ، فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به ؟ هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الاقران والتسلط به على الأعداء ؟ هيهات هيهات ، قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء ، فاللّه تعالى المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ويضحك الشيطان ، وقد كان أهل الورع من علماء الظاهر مقرين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب : كان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه
شرح
بالطب قراءة وتعليما وفي نسخة : يستغل به ( ويتهاترون ) أي يتنافسون ويترامون بأنفسهم ( على ) تحصيل فروع ( علم الفقه ) وما يستنبط بها من النوادر التي لا تقع غالبا ( لا سيما الخلافيات ) فيه ( والجدليات ) التي الغرض منها الزام الخصم بإقامة الحجة ( والبلد مشحون ) أي مملوء ( من الفقهاء ممن يشتغل بالفتوى ) أي يحمله استقلالا ( والجواب عن الوقائع ) والنوازل ، ( فليت شعري ) أي ليت عملي حاضرا أو محيطا بما صنعوا وأصله شعرتي حذفت التاء مع الإضافة لكثرة الاستعمال ( كيف يرخص فقهاء الدين ) أي كيف يرون رخصة وجوازا ( في الاشتغال بفرض كفاية قام به جماعة ) منهم ( وإهمال ما لا قائم به ) وتركه رأسا ( هل لهذا سبب ) لم نعلمه و ( ليس إلا أن ) علم ( الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف ) قبضا واستحقاقا بنظارة أو تدريس أو تنزل في إحدى المدارس ( والوصايا ) أي الدخول فيها ( وحيازة مال الإيتام ) بأن يكون وصيا عليهم أو قيما على أموره نظرا إلى ديانته ( وتقلد ) منصب ( القضاء ) العام والخاص ، وقد كان السلف يفرون من ذلك ( و ) تقلد ( الحكومة ) والرئاسة على قوم ( والتقدّم به على الأقران ) والأصحاب ، ويندرج فيه مشيخة الجوامع والخوانق والتسلط على الأعداء ( بأن ينتصف لنفسه منهم بجاه علمه هيهات هيهات ) وهي كلمة تستعمل لتبعيد الشيء ومنه قول الشاعر :فهيهات هيهات العقيق ومن به * وهيهات خل بالعقيق نواصلهوفيها لغات ذكرتها في شرح القاموس ( قد اندرس علم الدين ) وانطمس أثره ( بتلبيس علماء السوء ) وتخليطهم وتصويرهم الباطل بصورة الحق ، ( فاللّه المستعان ) لا غيره ( وإليه اللياذ ) أي الالتجاء وأصله اللواذ . في بعض النسخ الملاذ ( في أن يعيذنا ) أي يخلصنا ( من هذا الغرور ) وهو سكون النفس بما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع ( الذي يسخط الرحمن ) ويغضبه ( ويضحك الشيطان ) ويعجبه ثم لما أحس بأن أهل الظاهر ينكرون ذلك وأشباهه على من يعظهم من أهل الباطن وينسبونهم إلى الجهل شرع في الرد عليهم ، فقال : ( وقد كان أهل الورع من علماء الظاهر مقرين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب ) ، وهذه العبارة منتزعة