تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
وخبثها بقاذورات الدنيا ، وإنما نعني بعلم طريق الآخرة : العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن اللّه سبحانه وتعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله ، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم في جميع أحوالهم ، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه ، ولا سبيل إليه إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها في موضعها ، وبالعلم والتعليم ، وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم اللّه عليه بشيء منها إلا مع أهله ، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة ، وبطريق الأسرار ، وهذا هو العلم
شرح
لما فيه من القابلية الذاتية التي أودعها ( لولا أن مرآة القلب ) المنيرة ( قد تراكم صدؤها وخبثها ) أي وسخها ( بقاذورات الدنيا ) أي نجاساتها ، وفي حكم ذلك الاشتغال بالأعمال التي ليس للآخرة فيها نصيب ، ( وإنما معنى علم طريق الآخرة ) ، وفي نسخة وإنما نعني بتعلم طريق الآخرة ( العلم بكيفية تصقيل هذه ) المرآة ( عن هذه الخبائث ) والأدناس ( التي هي الحجاب ) المانع ( عن اللّه تعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله ) كما هي وأسرارها وما يترتب عليها ، ( وإنما ) يتم ( تصفيتها وتطهيرها بالكف ) أي المنع والاحتماء ( عن الشهوات ) التي للنفس فيها تمام الحظ ، وفي نسخة عن الشبهات وهذا هو التخلي ( والاقتداء بالأنبياء ) عليهم السلام أي اتباع طريقتهم ( في جميع أحوالهم ) وهذا هو التحلي ( فبقدر ما ينجلي ) وينكشف ( من القلب ويحاذي ) أي يقابل ( به شطر الحق ) نحوه ( تتلألأ فيه ) أي تظهر وتلمع ( حقائقه ) أي العلم المذكور ، ( ولا سبيل إليه ) أي إلى انجلاء قلبه ( إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها ) أي بإذابة النفس في المجاهدات وتذليلها ولها آداب وشروط يأتي بيانها في هذا الكتاب ( في موضعه ) اللائق به ( وبالتعلم ) من مرشد حق على حد قوله :ولا بد من شيخ يريك شخوصهاوفي نسخة : وبالعلم والتعليم ( وهذه هي العلوم التي ) أمر بكتمانها وأنها ( لا تسطر في الكتب ) لأنها علوم ذوقية كشفية تدرك عن مشاهدة لا عن دليل وبرهان ، ولان المسطور في كتاب يقع في يد الأهل وغير الأهل ، فإن لم يكن أهلا لمعرفته يقع في حيرة عظيمة تترتب عليها مفاسد ( ولا يتحدث بها من أنعم اللّه عليه بشيء منها إلا مع أهله ) وإلّا فقد وضع الشيء في غير محله ، وقد نهى عن ذلك ، ( وهو ) أي أهله ( المشارك فيه ) بذوقه السليم وفهمه المستقيم ويكون ذلك التحدث ( على سبيل المذاكرة وبطريق الأسرار ) . وقال المصنف في كتابه ( المنقذ من الضلال ) : إنما يجب على العلماء بيان ما تبين لهم من الحق لا ما لا يتبين لهم ، وليس أن يبينوا لكل أحد ما بيّن لهم الحق إنما يبينون لكل أحد ما يبلغه عقله وينتفع به لا غير اه .