( فالقسم الأوّل ) : علم المكاشفة وهو علم الباطن وذلك غاية العلوم ، فقد قال بعض العارفين : من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة ، وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله . وقال آخر : من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشيء من هذا العلم بدعة ، أو كبر . وقيل : من كان محبا للدنيا أو مصرا على هوى لم يتحقق به وقد
شرح
الفاعل ترجمان وفيه لغات ( وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله فاعلم أنه ) أي علم الآخرة ( قسمان : علم معاملة ) وقد تقدم ذكره ( وعلم مكاشفة وهو علم الباطن ) وهو العلم باللّه عز وجل الدال عليه الراد إليه الشاهد بالتوحيد له من علم الإيمان واليقين وعلم المعرفة ( وذلك غاية العلوم ) كلها ، وإليه تنتهي همم العارفين لا يوجد وراءه مرمى للأنظار ، ( فقد قال بعض العارفين ) فيما نقله صاحب القوت : ( من لم يكن له نصيب ) أي حظ ( من هذا العلم ) أي علم الباطن ( أخاف عليه سوء الخاتمة ) ولا سبيل إلى معرفته إلا بالذوق الصحيح ، ولا يكاد يلتذ به إذا جاء من غير نبي إلا أصحاب الأذواق السليمة وهو فوق طور العقل ، ولذا ربما مجته العقول الضعيفة التي لم توف النظر والبحث حقه ، ولهذا كان صاحبه إذا أراد أن يفهم منه لأصحاب الظاهر فلا بد له من ضرب الأمثال الكثيرة والمخاطبات الشعرية ، وقد يتسارع إلى الإنكار على صاحبه ، وذلك لأنه فوق طور العقل ، ويحصل من نفث روح القدس يخص به تعالى النبي والولي لا يكون لغيرهما ، وعلوم المجتهدين كلها من هذا الباب ، لكنهم أفصحوا في العبارة ففهمها الناس ولم ينكروها عليهم ، وقال القطب الشعراني رحمة اللّه تعالى : وكان أخي أفضل الدين يتكلم على الآية من سبعين وجها ويقول : حقيقة العلوم التي تسمى باطنا إنما هي من علوم الظاهر ، لأنها ظهرت للقائل بها ، ولو أنها بطنت منه لما اهتدى لفهمها ولا لذكرها ، فقلت له ، صحيح ذلك ، ولكن ذلك خاص بأجل الكمل ، فقال : نعم فإن الظاهر هو المعقول والمقبول الذي تكون منه العلوم النافعة والأعمال الصالحة ، وأما الباطن فإنما هو المعارف الإلهية التي هي روح تلك العلوم والمعقولة المقبولة اه .
( وأدنى النصيب منه ) إذا لم يمكنه التحلي به ( التصديق به ) جزما من غير تردد ولا شك ( وتسليمه لأهله ) بعدم الإنكار عليهم بقبول ما يرد من جهتهم بانشراح صدر وعدم اختلاج باطن ، فيكون في منزلة المحبين لهم ، فإن من ينكر على أولياء اللّه الوارثين لعلوم أنبياء اللّه يخاف عليه سوء الخاتمة والسلام على أهل التسليم . ( وقال آخر ) فيما أورده أيضا صاحب القوت :
( فمن كان فيه خصلتان ) أي من وجدتا فيه ( لم يفتح له شيء من هذا العلم ) أي علم الباطن ( بدعه ) وهي الفعلة المخالفة للسنّة ( أو كبر ) أن يرى نفسه أكبر من غيره ، وقال الجنيد :
أعلى درجات الكبر أن ترى نفسك وأدناها أن تخطر ببالك يعني نفسك . ( وقيل : من كان محبا للدنيا ) مائلا إلى شهواتها وكذا محبا لأهلها وللعلوم تقربة إليها ( أو مصرا على هوى ) نفسي أو شيطاني ( لم يتحقق به ) أي بعلم الباطن ولا يكون له منه نصيب ، ( وقد يتحقق بسائر