أحدها : انه علم شرعي إذ هو مستفاد من النبوّة ، بخلاف الطب فإنه ليس من علم الشرع .
الثاني : انه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة البتة لا الصحيح ولا المريض . وأما الطب فلا يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلون .
والثالث : أن علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة لأنه نظر في أعمال الجوارح ، ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب ، فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة ، والمذموم يصدر من المذموم ، وليس يخفى اتصال الجوارح بالقلب . وأما الصحة والمرض فمنشؤهما صفات في المزاج والاخلاط وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب ، فمهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه ، وإذا أضيف علم طريق الآخرة إلى الفقه ظهر أيضا شرف علم طريق الآخرة .
( فإن قلت ) : فصّل لي علم طريق الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه ، وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله ، فاعلم أنه قسمان : علم مكاشفة وعلم معاملة .
شرح
( أحدها : أنه علم شرعي ) مستنده الكتاب والسنة وآثار الصحابة والإجماع وهذا معنى قوله :
( أي مستفاد من النبوة بخلاف علم الطب ، فإنه ليس هو من علم الشرع ) بل مداره على التجارب وهي تختلف .
( والثاني : أنه لا يستغني عنه أحد ) في سائر الأحوال ( من سالكي طريق الآخرة البتة لا الصحيح والمريض ، وأما الطب فلا يحتاج إليه الّا المرضى ) خاصة ( وهم الأقلون ) أي بالنسبة إلى الأصحاء ولا حكم للأقل .
( والثالث : أن علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة ) باعتبارات كثيرة ( لأنه نظر في أعمال الجوارح ومصدر الأعمال ومنشؤها صفات القلوب والمحمود من الأعمال يصدر من الأخلاق المنجية ) أي المخلصة ( في الآخرة والمذموم يصدر من المذموم وليس يخفى اتصال الجوارح بالقلب ) وبهذا الاعتبار ، ( وأما الصحة والمرض فمنشؤهما صفات في المزاج ) وهي كيفية مشابهة من تفاعل عناصر متفقة الأجزاء المماسة بحيث يكسر سورة كل منها سورة الآخر ( والأخلاط ) جمع خلط وهي الطبائع الأربعة التي عليها بنية الانسان ، ( وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب فمهما أضيف ) أي نسب ( الفقه إلى الطب ظهر شرفه ) ومزيته ، ( وإذا أضيف علم طريق الآخرة إلى الفقه ظهر أيضا شرف علم الآخرة ) وهو فرق ظاهر .
( فإن قيل : فصل لي علم الآخرة تفصيلا ) يتضح للأذهان ( يشير ) بذلك ( إلى تراجمه ) جمع ترجمة والتاء زائدة ، وقيل : أصلية يقال ترجم كلام غيره إذا عبر عنه بلغة غير المتكلم واسم