تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
النحو والشعر ، وكان سفيان الثوري وهو إمام في علم الظاهر يقول : إن طلب هذا ليس من زاد الآخرة ، كيف وقد اتفقوا على أن الشرف في العلم العمل به فكيف يظن أنه علم الظهار واللعان والسلم والإجارة والصرف ، ومن تعلم هذه الأمور ليتقرب بها إلى اللّه تعالى فهو مجنون ، وإنما العمل بالقلب والجوارح في الطاعات ، والشرف هو علم تلك الأعمال . ( فإن قلت ) : لم سويت بين الفقه والطب إذ الطب أيضا يتعلق بالدنيا وهو صحة الجسد وذلك يتعلق به أيضا صلاح الدين ، وهذه التسوية تخالف إجماع المسلمين ؟ فاعلم أن التسوية غير لازمة بل بينهما فرق ، وإن الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه :
شرح
سفيان بن سعيد الثوري ) رحمه اللّه تعالى يأتي ذكره قريبا ( وهو إمام في علم الظاهر ) جليل القدر صاحب فتوى وحديث يقول مع جلالة قدره في العلم : ( إن طلب هذا ) أي علم الحديث ( ليس من زاد الآخرة ) نقله صاحب القوت ، وإنما قال ذلك سفيان لأن حب الإسناد وشهوة الرواية غلبا على قلبه ، حتى كان يحدث عن الضعفاء ، ومن لا يحتج بروايته ، فمن اشتهر منهم باسمه ذكر كنيته تدليسا للرواية عنه ، فخاف على نفسه من ذلك ولم يجعله من زاد الآخرة ، وسيأتي الكلام عليه في آخر الباب الخامس من هذا الكتاب ، ( كيف وقد اتفقوا ) وأجمعوا ( على أن الشرف ) المقصود لذاته ( في العلم العمل به ) على وجهه ، ( فكيف يظن أنه علم اللعان والظهار والسلم والإجارة والصرف ) وغيرها من أحكام المعاملات ، ( ومن تعلم هذه الأمور ) وانفرد في تدقيقاتها ومعرفة الراجح منها من المرجوح ( ليتقرب بتعاطيها ) وتناولها ( إلى اللّه تعالى فهو مجنون ) غطى على عقله وشبه عليه ، ( وإنما الأعمال بالقلب ) أي بإحضاره ( والجوارح ) معا ( في ) سائر ( الطاعات ) والتقربات ( والشريف هو علم تلك الأعمال ) وهذا تقرير واضح ، وقد أنكر عليه المغاربة لما وصل إليهم الكتاب وأقاموا عليه النكير وقالوا : كيف يقول للعالم بالأحكام الشرعية أنه مجنون . ( فإن قلت : قد سويت بين الفقه والطب إذ الطب أيضا يتعلق بالدنيا ومصالحها وهو صحة الجسد ) التي فيها قوام المعاش ( وذلك يتعلق به أيضا صلاح الدين ) من جهة القيام بالأوامر والنواهي ، ( وهذه التسوية ) بينهما في المنزلة ( تخالف إجماع المسلمين ) ، أي لما جعلت الفقه به نظام مصالح الدنيا المنوط به نظام مصالح الدين ، فهو في الدرجة الثانية من علوم الآخرة وعلم الطب أيضا ، كذلك لأن موضوعه بدن الإنسان والبحث عن كيفية صحة المزاج وفساده ، فهو أيضا منوط به نظام مصالح الدنيا فيكون من علوم الآخرة بالمرتبة الثانية ، ولزم بذلك التسوية بينهما وهو خلاف ما عليه الناس من شرف علم الفقه وعلو منزلته ، فإذا ساواه علم الطب في منزلته لزم أن يكون مثله وليس كذلك . ( فاعلم أن التسوية غير لازمة ) أي إذا وجد التسوية بينهما من هذا الوجه فغير لازم أن يساويه في سائر المراتب ( بل بينهما فرق ) بوجوه أخر ، وأشار لذلك بقوله : ( والفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه :