عن أكل الشهوات خيفة هيجان النشاط والبطر المؤدي إلى مقارفة المحظورات .
الرابعة : ورع الصديقين وهو الاعراض عما سوى اللّه تعالى خوفا من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند اللّه عز وجل وإن كان يعلم ويتحقق أنه لا يفضي إلى حرام ، فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الدرجة الأولى : وهو ورع الشهود والقضاة وما يقدح في العدالة والقيام بذلك لا ينفي الإثم في الآخرة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لوابصة : « استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك » .
شرح
هيجان ) أي ثوران ( النشاط ) أي الخفة والإسراع ( والبطر ) وهو أخف من النشاط ، لأنه دهش يعتري الانسان من سوء احتمال النعمة وعدم القيام بحقها وصرفها عن وجهها ( المؤدي ) أي الموصل ( إلى مقارفة ) أي ملابسة ( المحظورات ) الشرعية .
( الرابعة : ورع الصديقين وهو الإعراض عما سوى اللّه تعالى ) وترك النظر عن السوى بالكلية ( خوفا من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند اللّه تعالى ) ، وإليه الإشارة بالحديث المتقدم : « إذا أتى عليّ يوم لا أزداد فيه تقربا إلى اللّه تعالى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم » . ( وإن كان يعلم ويتحقق أنه لا يفضي إلى حرام ) وجعل الهروي في منازل السائرين من هذه الرابعة ثالثة وفسرها بقوله : هو التورع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت والتعلق بالتفرق وعارض يعارض الوقت ، واستدل على الكل بقوله تعالى :( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ )[ المدثر : 4 ] اه .
والمنصف جعل له أربع مراتب وأضافها لأربابها ، فالأولى : هي مرتبة أهل الظاهر من العلماء ، والثانية : هي مرتبة الصالحين ، والثالثة : هي مرتبة المتقين ، وهم أعلى درجة من الصالحين ، كما أن الصالحين أعلى رتبة من مطلق أهل العلم . والرابعة : هي مرتبة الصديقين وهي آخر المراتب الرفيعة ، ولذلك جاز أن يعني بالصديقين ما هو أعم ليشمل النبيين إذ كل نبي صديق ولا عكس فتأمل .
( فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه ) لا يتكلم عليها ( إلا الدرجة الأولى وهو ورع الشهود والقضاة ) وولاة الأحكام الشرعية ( وما يقدح في العدالة ) ، فإن الفقيه يتكلم فيها ( و ) لا يخفى أن ( القيام بذلك لا ينفي الإثم في الآخرة ) ولا يقبل عذره في ترك التحقق ببقية المراتب . ( قال صلّى اللّه عليه وسلّم لوابصة ) ابن معبد الأزدي يكنى أبا سالم وأبا الشعثاء وأبا سعيد من خيار الصحابة ، ولد سنة تسع ، روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وابن مسعود ، وعنه ولداه سالم وعمر ، وزر بن حبيش ، وشداد مولى عياض ، وراشد بن سعد ، وزياد بن أبي الجعد نزل في الجزيرة كذا في الإصابة ، وقال بكار : قبره بالرقة ( « استفت قلبك وان أفتوك وأفتوك وأفتوك » ) هكذا بالتكرار ثلاث مرات في سائر النسخ .
قال العراقي : رواه أحمد في مسنده ، فقال : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن الزبير بن عبد السلام ، عن أيوب بن عبد اللّه بن مكرز ، عن وابصة قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم