إلا طمعا في معونة ، ولكن قوله عليه السلام : « تهادوا تحابوا » . وقوله تعالى :
( فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها )
[ النساء : 86 ] يوجب الرخصة فإن المهدي يستجلب محبة المهدى إليه وبواسطة المحبة يستحثه على بذل الجاه في مقابلته ، فهذه هبة تقتضي ثوابا بقرينة الحال . والصحيح أن ذلك جائز وإن الثواب واجب في مثل هذه الصورة ، فلربما يهدي الفقير إلى ذي الجاه طمعا في أن يمكنه من أن يمشي بين يدي فرسه في معرض الغلمان ليكون له بالانتساب إليه جاه ، فيحصل لذي الجاه بخدمته زيادة جاه مع المال ، ولا يمكن أن يجعل ذلك معاوضة ولا يمنع التوصل إلى مثل ذلك بالهدية ، بل أقول : يحل للقاضي أن يقبل الهدية وإن كانت لا تهدى إليه لو لم يكن قاضيا ، ولكن إنما يجوز إذا علم أن المهدي يبغي مودته وحشمته وعنايته في أمور لا تحرم عليه ولا تجب وجوب عين بحكم القضاء ، وإنما الرشوة المحرمة التي يبذلها صاحبها جعلا على حكم بالحق واجب أو ميل بالظلم محرم ، ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه لابن مسعود وقد ولّاه بلدا : أجب الداعي ولا تقبل الهدية وليس بحرام ، ولكني أخشى عليك القيل والقال ، وإذا منعنا المشارطة بطريق الجعالة في مثل هذا فيتعدى النظر في مثل بذل الجعل على فعل لا تعب فيه ، ولكنه عظيم الجدوى بسبب علم صاحبه ، فرب سيف ومنواله معوج تتضاعف قيمته بدقة واحدة من بصير بمحل الدق ، والأشبه أن انضمام العلم إلى الفعل القليل لا يكون كانضمام الجاه ، وإن أخذ الجعل على هذا يجوز فإن هذه صناعة مكتسب لكسب المال ، ودون هذا ما لو علم الطبيب دواء ولم يذكره إلا بجعل فأخذ المال على مجرد التنبيه عليه من غير عمل باليد فيه نظر . وهو بين مسألة السيف ومسألة بذل الجاه في كلمة واللّه أعلم كتبه الغزالي . نقلت هذه الفتاوى أجمعها من خط الإمام أبي الفضل محمد بن محمد بن الفضل بن المظفر العبدي البحراني وقال : فرغت من نسخه في تاسع محرم سنة 564 بدمشق .
الفصل الحادي عشر في بيان حال المنتسب إليه :
قال صاحب تحفة الإرشاد نقلا عن الإمام النووي في دقائق الروضة : التشديد في الغزالي هو المعروف الذي ذكره ابن الأثير ، وبلغنا أنه قال : منسوب إلى غزالة بتخفيف الزاي قرية من قرى طوس . قلت : وهكذا ذكره النووي أيضا في التبيان ، وقال الذهبي في العبر ، وابن خلكان في التاريخ : عادة أهل خوارزم وجرجان يقولون القصارى والحبارى بالياء فيهما فنسبوه للغزل ، وقالوا : الغزالي ومثل ذلك الشحامي ، وأشار لذلك ابن السمعاني أيضا وأنكر التخفيف ، وقال :
سألت أهل طوس عن هذه القرية فأنكروها وزيادة هذه الياء قالوا للتأكيد ، وفي تقرير بعض شيوخنا للتمييز بين المنسوب إلى نفس الصنعة وبين المنسوب إلى من كان صنعته كذلك ، وهذا ظاهر في الغزالي فإنه لم يكن ممن يغزل الصوف ويبيعه ، وإنما هي صنعة والده وجده ، ولكن في المصباح للفيومي ما يؤيد التخفيف ، وأن غزالة قرية بطوس وإليها نسب الإمام أبو حامد . قال :
أخبرني بذلك الشيخ مجد الدين بن محمد بن أبي الطاهر شروان شاه بن أبي الفضائل فخراور بن