يأخذه قد وقع من جملة ما يحل فهذا أصل قد عارضه غالب إذ الأصل في الأموال الحل وفي الأيدي الدلالة على الملك ، وقد عارضه الغالب فهو قريب من قول الشافعي رضي اللّه عنه في تعارض الأصل والغالب في النجاسات كطين الشوارع وغيره ، ولكن لما توضأ عمر رضي اللّه عنه من ماء في جرة نصرانية والغالب النجاسة ، ثم كانوا إذا رأوا احتمال التحريم في المأكول إلى هذا الحد يتفحصون عنه دلّ على أن الأمر في الحل والحرمة أضيق منه في الطهارة والنجاسة ، فهذا في محل الاجتهاد والرأي فيه إلى القاضي ، والأولى أن لا ترد شهادته إن كان يأخذ مثل ذلك عن حاجة وان ترد شهادته إن كان يأخذه مع الاستغناء ، وإذا أخذ القاضي من الادرار ما قضينا بالتفسيق فيه فيتعين على السلطان عزله ، ولكن لا يحكم بانعزاله لأجل المصلحة ، فإن استمرار الولاية لو اشترط فيه استمرار العصمة من موجبات الفسق مع أن الشهوات غالبة والشيطان بالمرصاد لأدى ذلك إلى أن لا يدوم قضاء قاض إلا ساعة قريبة ، فنقضي باطراد الولاية ووجب العزل والاستبدال مهما ظهر ذلك للسلطان واللّه أعلم كتبه الغزالي .
وسئل : ما قوله دام علوه في المنتصبين على أبواب السلاطين والوزراء من أرباب الحشمة والجاه من العلماء وغيرهم لقبض ادرارات الناس وتسويفاتهم ودفع ظلاماتهم وقضاء حقوقهم طمعا في مال صاحب الحق إذا قضى حقه . أيحل له ذلك المال أو لا . وكيف يحل له ؟ وربما لم تصدر منه إلا كلمة واحدة يشفع بها إلى السلطان فقط فهذا مقابلة الجاه والحشمة بالمال فما طريق حله له ، وما معنى الرشوة المحرمة في الشرع ، وان لم يحل لهم هذا أصلا فربما أفضى ذلك إلى حرج إذ لا غنية بالناس عن ذلك ، وهل يفترق الحال بين أن يتعب هذا الرجل في قبض الادرار في تكرير المراجعة والمطالبة وتكثير التقاضي والإلحاح أو لا يتعب ، بل يتكلم على سبيل الشفاعة ؟
الجواب وباللّه التوفيق : أنه إن كان السعي الملتمس منه حراما لم يحل أخذ المال عليه ، وإن كان فرض عين عليه مثل إقامة الشهادة على من ظلمه أو ما يجري مجراه لم يحل أخذ المال ، وإن كان من قبيل فرض الكفايات في دفع الظلامات أو كان مباحا نظر : فإن كان فيه تعب بحيث لو كان الفعل معلوما لصح الاستئجار عليه جاز أخذ المال عليه بطريق الجعالة ، وإن لم يكن فيه تعب نظر . فإن لم يكن فيه ابتذال حشمة وجاه لم يحل أخذ المال فإن مقابلة ما لا يتقوّم بالمال غير جائز ، وإن كان المتبادل يحتاج إليه حتى لو اشترى حبة حنطة ليجعلها في فخ طائر حيث لا يجد غيرها لم يجز ، وصورة هذا أن لا يلتمس منه إلا وضع القصة بين يدي السلطان ، أو أن يقول للبواب لا تغلق الباب دونه ، فهذه الكلمة الخفيفة لا يجوز أخذ جعل عليها وان كان فيه تبذل من حيث الحشمة ، ولكن الفعل قليل في نفسه فهذا في محل النظر ، والأشبه المنع من مشارطة الجعل عليه ، فإن تجويزه لا مستند له إلا تخلية الناس والتراضي في المعاوضات وبذل المال في مقابلة ما فيه عوض ولا خلاف في أنه لا يجوز مقابلة المال باسقاط حق الشفعة وخيار الرد وأمور أخر فيها اعراض ، فهذا يدل على أن المال إنما يشترط في مقابله بضع أو مال أو عمل متقوم والجاه ليس من هذا القبيل ، وأما مسيس الحاجة إليه فالطريق فيه ترك المشارطة للجعل وهو العادة ، ولا يمتنع على ذي الجاه أن يقبل هدية من المحتاج بطريق الهبة وإن كان يعلم إنه لم يبذله
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 23
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٢٣