تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود ، فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء ، ولكنهم تناولوها بالشهوات فتولدت منها الخصومات فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به ؛ فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات ؛ فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا ، ولعمري انه متعلق أيضا بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا ، فإن الدنيا مزرعة الآخرة ، ولا يتم الدين إلا بالدنيا . والملك والدين توأمان ؛ فالدين أصل والسلطان حارس ، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع ، ولا يتم الملك والضبط إلا
شرح
الموقف . السادس : منه إلى أحد المنزلين ، وبه يعلم أن الإنسان إذا نظر إليه في الحقيقة عابر سبيل . ( وخلق الدنيا زادا ) يبلغ المسافر ( للمعاد ) . ومن هنا قيل الدنيا قنطرة الآخرة فاعبروها ولا تعمروها ( ليتناول منها ما يصلح للتزوّد ) أي : اتخاذ الزاد ، والمراد به الأعمال الصالحة ، ( فلو تناولوها بالعدل ) والسوية ( لانقطعت الخصومات ) وارتفعت الظلامات ( وتعطل الفقهاء ) ولم يحتج إليهم ، ( ولكن تناولوها ) وتعاطوا أمورها ( بالشهوات ) مما تميل له النفوس وتشتهيه ( فتولدت منها الخصومات ) وكثرت الشكايات وأنتجت الظلامات ( فمست الحاجة إلى ) وجود ( سلطان ) أي حاكم متسلط ( يسوسهم ) يرعاهم وينتظر أحوالهم فيما يختصمون فيه ( واحتاج السلطان ) نفسه ( إلى قانون ) يرجع إليه ( ويسوسهم به ) ، والقانون هو الأمر الكلي الذي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرف أحكامها منه ، ( فالفقيه هو العالم بقانون السياسة ) الشرعية ( وطريق التوسط بين الخلق ) في محاكماتهم ( إذا تنازعوا بحكم الشهوات ) وتجاذبوا فيها ، ( فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده ) وهاديه ( إلى ) معرفة ( طريق سياسة الخلق وضبطهم لتنتظم استقامة أمورهم في الدنيا ) بالعدل والاصلاح والحلم والإحسان ، وفي نسخة لتنتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا . ( ولعمري ) قسم بالعمر بالفتح وهو البقاء والحياة ( هو متعلق أيضا بالدين ) حيث أن ذلك القانون الذي يستقيم به أمر السلطان والرعية لا يخرج عن الأحكام الشرعية ( ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا ) فتعلقه بالدين في الدرجة الثانية ، ( فإن الدنيا مزرعة الآخرة ) وممر المعاد ، ( ولا يتم ) نظام ( الدين إلا بالدنيا ) أي بعمارتها وصلاحها ، ( والملك والدين توأمان ) أي قرينان ، والتوأم أصله وو أم من الوئام وهو الموافقة والمشاكلة ، وهذا توأم هذا وهما توأمان وأبي الليث قولهم توأمان وخطاه الأزهري قال : والقول ما قاله ابن السكيت وهو قول الفراء والنحويين الذين يوثق بعلمهم قالوا : يقال للواحد توأم وهما توأمان إذا ولدا في بطن واحد ، ( والدين أصل والسلطان حارس ) له