وكانوا لا يحترزون إذا سئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة ، وفي بعض الروايات بدل المتكلف المرائي ؛ فإن من تقلد خطر الفتوى وهو غير متعين للحاجة فلا يقصد به إلا طلب الجاه والمال .
شرح
وهذا قد يأتي التفصيل فيه في الباب السادس من قول عبد الرحمن بن أبي ليلى وغيره ، ( وكانوا لا يحترزون إذا سئلوا عن علم القرآن ) والايمان ( وطريق الآخرة ) وما أشبه ذلك . ونص القوت : ولم يكونوا يقولون ذلك في علم القلوب ، ولا علم الأيمان واليقين ، بل كتب عمر إلى أمراء الأجناد أحفظوا ما تسمعون من المطيعين للّه عز وجل ، فإنهم تجلى لهم أمور صادقة . ( وفي بعض الروايات بدل المتكلف المرائي ) ، وهكذا رواه الإمام أحمد ، وأبن ماجة ، والترمذي ، والحاكم في النوادر من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده رفعه : « لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور أو مراء » رواه الدارمي في مسنده وزاد في آخره : قلت لعمرو بن شعيب : إنا كنا نسمع متكلف ، فقال : هذا ما سمعت قلت : ويروى بدل المتكلف والمرائي المختال . رواه أبو داود من حديث عوف بن مالك سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال » .
وأخرجه الطبراني في الكبير مثله ، وأخرجه ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف . وقال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام ، حدثني عبد الجبار الخولاني قال : دخل رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسجد ، فإذا كعب يقص فقال : من هذا : قالوا : كعب يقص . قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال » فبلغ ذلك كعبا فما رؤي يقص بعد . وفي القوت : وقد جاء في لفظ الحديث الآخر بتأويل معناه لا يتكلم على الناس إلا ثلاثة أمير أو مأمور أو مراء ، فكان قوله أمير هو المفتي في الأحكام والأقضية ، ومعنى مأمور هو العالم باللّه عز وجل الزاهد في الدنيا يتكلم في علم الإيمان واليقين ، وفي علم القرآن والحديث على صالح أعمال الدين بأمر من اللّه تعالى أذن اللّه في ذلك بقوله :( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ )الآية [ 187 ، آل عمران ] وبقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما آتى اللّه عالما علما إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينه ولا يكتمه » . ويقول أبي هريرة : لولا آيتان في كتاب اللّه تعالى ما حدثتكم حديثا ، وأما المرائي فهو المتكلم في علوم الدنيا الناطق عن الهوى يستميل بذلك أهلها ويجتلب بكلامه المزيد منها والرفعة فيها اه .
وإليه يشير قول المصنف : ( فإن من يتكلف خطر الفتوى ) أي يتحمل باعبائه ( وهو غير متعين للحاجة فلا يقصد به إلا طلب الجاه والمال ) باستمالة قلوب أهل الدنيا بكلامه ووعظه . وقال الراغب في الذريعة : لا يصلح الحكيم لوعظ العامة لا لنقص فيه ، بل لنقص في العامة إذ بينهما من تنافي طبعيهما وتنافر شكليهما من النفار ، كما بين الماء والنار والليل والنهار ، ثم قال : يحق للواعظ أن يكون له نسبة إلى الحكيم وإلى العامة يأخذ منهم ويعطيهم ، كنسبة الغضاريف إلى اللحم والعظم جميعا ، ولولاها لم يكن للعظم اكتساب الغذاء من اللحم .