تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
فإيذاؤه ليس بحرام إذ لا عصمة له فتزول علة التحريم ويبقى أنه تنقص لما هو من خلق اللّه تعالى ، فإن كان ذلك تعرضا لذميم أخلاقه لا لنشأة خلقته وانضم إليه الأشعار ، وقال ذلك من أثر ضلاله وكفره تنفيرا عن الكفر وتحقيرا له ببيان أنه مما ينتج الأخلاق السيئة ، فهذا لا كراهية فيه وإن لم يكن على هذا القصد ولا مع هذا الإشعار ولم تكن فيه فائدة التنبيه من تحذير وتحقير فالكراهة فيها أخف ، وإنما لا تستشعر النفس فيها كراهة لأنه يسبق إليها إن مذمته مذمة الكفر وإشارة إليه ، وقد سبق أن ذلك لا بأس به وهذا بأن يكون مندوبا أشبه من أن يكون مكروها ، وأما التعرض لبشرة خلقته فالكراهة فيها أخف من التعرض للأطعمة والبهائم لأنه مما استحق إيذاؤه ويمكن أيضا أن يوهم أن ذلك من شؤم ضلاله وأنه عذاب له على كفره ، وأما الذمي فهو كالمسلم فيما يرجع إلى المنع من الإيذاء لأن الشرع عصم عرضهم كما عصم دمهم وأموالهم ، وأما المتبدع إن كفر فهو كالحربي وإن لم يكفر فهو كالمسلم ، وأما ذكره ببدعته فليس مكروها ، وكذا ذكر أخلاقه في معرض التعليل بشؤم البدعة فلا بأس به ، فأما ذكره خلقته فلا وجه له واللّه أعلم كتبه الغزالي . وسئل ما يقول أدام اللّه علوه هل يجوز الغرس في المسجد أم لا ؟ وإن غرس فالفاكهة الحاصلة منها من يملكها ، وإن غرس على أن تكون الفاكهة مباحة للمسلمين هل يجوز أم لا ؟ الجواب وباللّه التوفيق : ينظر إلى الغارس ، فإن غرس لنفسه منع منه مهما كان قصده الانتفاع بالمسجد ، فإن فعل وحصلت الفاكهة فهي له وعليه أجرة المثل للمسجد لأنه استوفى منافعه فهو كما لو أحرق خشبا من المسجد تلزمه الغرامة ، ويجوز الاكل من الفاكهة بإذن المالك ما دام حيا ، فإذا مات قبل أداء الأجرة تعلق حق الأجرة بالشجرة والثمرة وصار مرهونا فلا يجوز الأكل منه بالاذن السابق فإنه متعلق بحق المسجد وإن غرس على أن يكون الغراس للمسجد وينصرف الريع إلى مصالحه ، فذلك غير جائز إلا أن يكون المسجد واسعا وتكون فيه فائدة للمصلين بالاستظلال إن لم يكن فيه ما يجمع من الطيور ما ينجس المسجد فيرخص فيه ، كما في بناء السقف فإن فائدة الاستظلال من الشمس مقصودة ، وما يشغله الشجر من عرصة المسجد أقل مما تشغله الحيطان ، فأما إذا غرس على أن يكون وقفا على قوم لا تعلق لهم بالمسجد فيمنع منه كما لو غرس لنفسه ، إذ لا يجوز صرف منافع المسجد إلّا إلى مصلحة المسجد ومصلحة قيام الصلاة فيه ، وإن غرس على أن يكون وقفا على المجاورين والمصلين فيه فهذا له تعلق بالمسجد محتمل جوازه ، ويمكن أن لا يجوز صرف مال المسجد إذا فضل من مصالحها إلى المجاورين وإن جاز صرفها إلى الإمام والمؤذن ، فمن هذا الوجه يكاد يلتحق المجاور بسائر المسلمين ، وإن أشكل الأمر ولم يدر أنه على نية قصد فالأصل بقاؤه على ملكه فيجعل كأنه غرسه لنفسه ، فعلى المتولي قلعه لأنه لا سبيل إلى تركه مجانا ولا إلى تركه للأجرة ، فإن ذلك اختيار لبيع المنفعة في المستقبل بخلاف ما حصل فواته في الماضي ، فإن غرامة ذلك تشبه غرامة اتلاف الوقف والمستولدة ، وأما التبقية اختيارا بالأجرة فشبه إجارة المسجد وبيع الوقف والمستولدة ، فينبغي أن يرد ما فضل من الأجرة بعد القلع إلى المالك أو وارثه ، وإن كان الغارس قد مات ولم يبق له
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 20 | مرتضى الزبيدي