بمعان تنبه لها العقول فاتسع بسببها الفهم حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره كما فهم من قوله عليه السلام : « لا يقضي القاضي وهو غضبان إنه لا يقضي إذا كان حاقنا أو جائعا أو متألما بمرض . وهذا على ضربين :
شرح
( فاتسع بسببها الفهم ) بالغوص عن أسرارها ( حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره كما فهم من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يقضي القاضي وهو غضبان انه لا يقضي وهو حاقن » ) أي حابس بول أو غائط ( أو جائع أو متألم بمرض ) ، والكلام عليه من ثلاثة أوجه .
الأول : قال العراقي : رواه الستة من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، وهذا لفظ النسائي ، وابن ماجة وزاد : بين اثنين . وقال البخاري : « لا يقضين حكم » وقال مسلم : « لا يحكم أحد » وقال أبو داود : « لا يقضي الحكم » وقال الترمذي : « لا يحكم الحاكم » ، وقال فهذا حديث حسن صحيح اه .
قلت : وبمثل سياق ابن ماجة رواه الإمام أحمد أيضا ، وكذا أبو داود ، وبمثل سياق مسلم رواه الترمذي والنسائي أيضا ، وبمثل سياق البخاري رواه أيضا الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة .
وأخرج ابن ماجة وضعفه ، والدارقطني في سننه ، والخطيب وسمويه في فوائده ، عن أبي سعيد رفعه « لا يقضي القاضي بين اثنين إلا وهو شبعان ريان » وأخرج النسائي والطبراني في الكبير ، عن أبي بكرة « لا يقضين أحد في قضاء بقضاءين ولا يقضي أحد بين خصمين وهو غضبان » .
الوجه الثاني : القضاء يطلق على معان الأنسب هنا معنى الحكم الشرعي ، والغضبان من قام به الغضب ، وهو في الأصل ثوران دم القلب إرادة الانتقام ومنه الحديث : « اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه » وقيل : الغضبان كالغضوب من صيغ المبالغة ، والحاقن من حقن بوله أي حصره وأمسكه وجمعه . وقال ابن فارس يقال لما جمع من لبن وشد حقين ، ولذلك سمي حابس البول حاقنا اه . ومنه : لا رأي لحاقن ولا حاذق .
الوجه الثالث : ذكر صدر الشريعة من علمائنا في تنقيح الأصول في المسائل من كتاب الاجماع ما نصه : وشرط بعضهم قيام النص في الحالين ، وإنه لا حكم له نظيره إن المرء إذا قام إلى الصلاة وهو متوضىء لا يجب الوضوء ، وإذا قعد وهو محدث يجب ، فعلم أن الوجوب دائر مع الحدث ، وقوله عليه السلام : « لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنّه يحل له القضاء وهو غضبان عند فراغ القلب ولا يحل له عند شغله بغير الغضب » . قال السيد في شرحه على قوله في الحالين أي في حال وجود الوصف ، وفي حال عدمه قال : والحال انه لا حكم أي للنص ، وقال عند قوله عند فراغ القلب ، فالنص قائم في حالة عدم الغضب بدون شغل القلب مع عدم حكمه الذي هو حرمة الفضاء ، وقال عند قوله : بغير الغضب نحو جوع أو عطش مع عدم حكمه الذي هو إباحة القضاء عند عدم الغضب إما بطريق مفهوم المخالفة أو بالمخالفة الأصلية أو النصوص المطلقة في