تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
وأما ما يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك
شرح
وقال ابن القيم : أما فرض الكفاية فلا أعلم فيه ضابطا صحيحا ، فإن كل أحد يدخل في ذلك ما يظنه فرضا فيدخل بعض الناس في ذلك علم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة والمساحات ، وبعضهم يزيد على ذلك علم أصول الصناعات الفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة ونحوها . وبعضهم يزيد على ذلك علم المنطق ، وربما جعله فرض عين وبناه على عدم صحة إيمان المقلد ، وكل هذا هوس وخبط فلا فرض إلا ما فرضه اللّه تعالى ورسوله ، فيا سبحان اللّه هل فرض اللّه على كل مسلم أن يكون طبيبا حجاما حاسبا مهندسا ، أو حائكا ، أو فلاحا ، أو نجارا ، أو خياطا ، فإن فرض الكفاية كفرض العين في تعلقه بعموم المكلفين ، وإنما يخالفه في سقوطه بفعل البعض ، ثم على قول هذا القائل يكون اللّه قد فرض على كل أحد جملة هذه الصنائع والعلم ، فإنه ليس واحد منها فرضا على معين ، والآخر على معين آخر ، بل عموم فرضيتها مشتركة بين العموم ، فيجب على كل أحد أن يكون حاسبا أو حائكا خياطا نجارا فلاحا طبيبا مهندسا ، فإن قال : المجموع فرض على المجموع لم يكن قولنا إن كل واحد منهما فرض كفاية صحيحا ، لأن فرض الكفاية يجب على العموم ، وأما المنطق فلو كان علما صحيحا كان غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ونحوها ، فكيف وباطله إضعاف حقه وفساده وتناقض أصوله واختلاف مبانيه يوجب مراعاتها للذهن أن يزيغ في فكره ، ولا يؤمن بهذا إلا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه للعقل الصريح ، ومن الناس من يقول : إن علوم العربية من التصريف والنحو واللغة والمعاني والبيان ونحوها تعلمها فرض كفاية لتوقف فهم كلام اللّه ورسوله عليها ، ومن الناس من يقول : تعلم أصول الفقه فرض كفاية لأنه العلم الذي يعرف به الدليل ومرتبته وكيفية الإستدلال . وهذه الأقوال ، وإن كانت أقرب إلى الصواب من القول الأول فليس وجوبها عاما على كل أحد ولا في كل وقت ، وإنما يجب وجوب الوسائل في بعض الأزمان وعلى بعض الأشخاص بخلاف الفرض الذي يعم وجوبه كل أحد وهو علم الإيمان وشرائع الإسلام ، فهذا هو الواجب ، وأما ما عداه فإن توقفت معرفته عليه فهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به ، ويكون الواجب منه القدر الموصل إليه دون المسائل التي هي فضلة لا يفتقر معرفة الخطاب وفهمه عليها فلا يطلق القول بأن علم العربية واجب على الإطلاق . إذ الكثير منه ومن مسائله وبحوثه لا يتوقف فهم كلام اللّه ورسوله عليها ، وكذلك أصول الفقه القدر الذي يتوقف فهم الخطاب عليه منه يجب معرفته دون المسائل المقدرة والأبحاث التي هي فضله ، فكيف يقال أن تعلمها واجب . ؟ وبالجملة : فالمطلوب الواجب من العبد من العلوم والأعمال إذا توقف على شيء منها كان ذلك الشيء واجبا وجوب الوسائل ومعلوم إن ذلك التوقف يختلف باختلاف الأشخاص والألسنة والأذهان ، فليس لذلك حد مقدر واللّه أعلم اه كلامه . ( وأما ما يعد فضيلة لا فريضة ) أعلم أن العلم فريضة وفضيلة ، فالفريضة ما لا بد للإنسان من معرفته ليقوم بواجب الدين ، والفضيلة ما زاد على قدر حاجته مما يكسبه فضيلة في النفس .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 225 | مرتضى الزبيدي