( بيان العلم الذي هو فرض كفاية )
اعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم ، والعلوم بالإضافة إلى
شرح
الكتب ، وقولك بلسانك إن هذا القرآن حق وإن الذي جاء به صدق والتزام الشرائع بالإستسلام . إذ كل من انتسب إلى الإسلام مقر بهذا ، ولكن لا يبلغ به منزلة العلم ولا يرتفع به عن منزلة الجهل ، وإنما يفارق بذلك ملة الكفر ويتحرم بحرمة الشريعة ، ثم يرتفع العالم عن الجهل بمعرفة حقائق ذلك معرفة يقين ، فالعلم هو إثبات صورة المعلوم في نفس العالم ، إلا أنه قد تتراءى وتثبت في النفس صورة ليس لها وجود في الحق ، فيحتاج أن ينظر في هذا الباب نظرا شافيا ، فإن أكثر ما تدخل الشبهة من هذا الباب ، فأول طلب العلم أن يستمع الراغب فيه فيروي ما يسمعه بلسانه ويعي حروفه في حفظه أو صحيفته ، فعلم اللسان هو حجة اللّه على ابن آدم ، وعلم القلب هو العلم النافع ، فعلم اللسان والأذن ليس له حقيقة في نفع وضر حتى يستقر بأحد الجانبين ويسلك به إحدى الجادتين ، ثم الطالب للعلم إن استلهاه علم اللسان بالشهوة في تعرف وجوه الأخبار سماعا ورواية وتراغبت نيته إلى التزين بها في الناس والتشوق والتطاول عليهم حرم علم الحقيقة في ذلك وشغل عن علم النورية من جهة القلب ، فلم يعرف ما يشهد به قلبه فيعتقده مما ينفيه ويكذبه ، وإن هو لم يستلهه علم اللسان ولم يفضل شهوة السمع والتلذذ بظاهر الخبر على شهوة الانتفاع والوصول إلى ثمرة القلب ، فكلما روي شيئا عرضه على قلبه ، فإن أدرك الحقيقة منه وإلا صبر على جادة الطريق في النظر حتى يعتقده صافيا قويا من جهة اخلاص قلبه وطمأنينته بلا ريب ولا تقليد ، فلا جرم ان اللّه يقبسه نور العلم في بصر قلبه فيدرك بقليل ذلك كثيرا ، ثم العلوم ثلاثة .
العلم الأعلى منها علم الدين وأفضله العلم باللّه وأسمائه وصفاته ، وعلم الأوسط وهو علم الدنيا الذي يكون معرفة الشيء بمعرفة نظيره ، والعلم الأسفل ، وهو أحكام الصناعات والأعمال التي لا نهاية لها . وقال أبو عبد اللّه الخوارزمي في كتابه ( مبيد الهموم ومفيد العلوم ) : الفرائض الواجبة على قسمين : منها ما هو فرض عين ، وهو أن يجب على كل آدمي خاص وعام ، أمير ووزير ، حر وعبد ، شيخ وشاب ، مسلم وكافر ففرض العين ما يجب على كل مكلف ولا يسقط بفعل بعض الناس عن بعض ، وذلك معرفة اللّه تعالى بوحدانيته والتنزيه ، وإنه بعث الأنبياء وإنه بعث نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الناس كافة ، فطاعته فريضة وشريعته مؤبدة ، وإنه نبي في قبره ما بطلت رسالته ، فمعرفة فرض العين أركان الشريعة الخمسة ، وشرائط المعاملات إن كان تاجرا ، وأحكام النكاح إن كان متأهلا وأحكام الإمارة والوزارة إن كان أميرا ، ويجب على الأمير أن يعرف حقوق الرعية وشروط السياسة وكيف استيفاء الحقوق ، وعلى السوقي ما يحرم من البيع والشروط الفاسدة إلى غير ذلك كل من يتولى أمرا فيجب عليه فرض عين أن يحصل لنفسه علم ذلك الشيء من الحلال والحرام الذي لا يسعه جهله ومن تركها فلا يعذر في القيامة اه .