قولنا أن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة بل الحجامة والخياطة ، فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك .
فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه . فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله .
شرح
فرض الكفاية ما يجب على كل الخليقة إلا أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين لدفع الحرج كرما ولطفا من الشارع كالجهاد والأمر بالمعروف وتجهيز الموتى والفتوى والقضاء والإمامة وعمارة المساجد والأذان وجواب السلام وإشباع الجائع . إلى غير ذلك كل ذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وإذا تركوا بأجمعهم اثموا جميعا اه ( ولا يتعجب من قولنا أن الطب والحساب من فروض الكفايات ، فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفايات كالفلاحة ) هي الزراعة ( والحياكة ) هي القزازة ( والسياسة ) بأقسامها وكذلك البناية ( بل الحجامة ) وهي إخراج الدم بالمحاجم في حكمه الفصادة ( فلو خلا البلد عن الحجام تسارع الهلاك إليهم ) بنبوغ الدماء ( وحرجوا ) أي وقعوا في الحرج ( بتعريضهم أنفسهم للهلاك ) ، وهذا بالنسبة للبلاد الحارة كمكة واليمن والصعيد ، وأما أهل البلاد الباردة فقل ما يحتاجون إلى الحجامة ( فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ) . لما روى ابن ماجة عن ابن مسعود رفعه : « ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له الدواء » . ورواه هو أيضا وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة بلفظ : « إلا أنزل اللّه له شفاء » ورواه بهذا اللفظ الحاكم عن ابن مسعود ، وعند الخطيب في حديث أبي هريرة زيادة وهي علمه من علمه وجهله من جهله ، وهو عند البخاري في الطب بلفظ ابن ماجة ، وزاد مسلم : « فإذا أصبت دواء الداء برئ باذن اللّه تعالى » واختلف في معنى الإنزال ، فقيل : اعلامه عباده ومنع بأن في الحديث اخبارا بعموم الإنزال ، وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك . وقيل : انزال أسبابهما من مأكل ومشرب ، وقيل : انزالهما خلقهما ووضعهما في الأرض كما يشير إليه خبر : إن اللّه لم يضع داء إلا وضع له دواء ، وتعقب بأن لفظ الإنزال أخص من لفظ الخلق والوضع وإسقاط خصوصية الألفاظ بلا موجب غير لائق ، وقيل : إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بتدبير النوع الإنساني ، وقيل : علامة الأدواء والأدوية وهي بواسطة إنزال الغيث الذي تتولد منه الأغذية والأدوية وغيرها . وقال بعضهم : إن العلة تحصل بغلبة بعض الأخلاط والشفاء رجوعها إلى الإعتدال بالتداوي ، وقد يحصل بمحض لطف اللّه تعالى بلا سبب ، ثم الموت إن كان داء فالخبر غير عام إذ لا دواء له ، ولذا وقع الاستثناء منه في بعض الروايات . ( وأرشد إلى استعماله وأعدا الأسباب لتعاطيه ) وتناوله ( ولا يجوز التعرض للهلاك باهماله ) وتركه كما قال تعالى :( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )[ البقرة : 195 ] ثم إن هذا الذي ذكره المصنف في بيان فرض الكفاية هو المشهور عند العلماء ، وقد وافقه الخوارزمي في بعض ما ذكره .