تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
شرح
ابن عبد العزيز أمر بذلك بعد ، وكان يجعل من دون خمس عشرة في الذرية وكتب إلى عماله إن افرضوا لابن خمس عشرة ، وما كان سوى ذلك فالحقوه بالعيال والمخالفون اعتذروا عن هذا الحديث بأن الإجازة في القتال منوطة باطاقته والقدرة عليه ، وأن إجازة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عمر في الخمس عشرة لأنه رآه مطيقا للقتال ولم يكن مطيقا له قبلها ، لا لأنه أراد الحكم على البلوغ وعدمه ، ولعمري ان هذا العذر يلوح ، ولكن يرده ان جماعة مع ابن عمر اتفق لهم ذلك وأسنانهم متساوية ، وكان فيمن رد من يتشوّق للقتال ويظهر من نفسه الجلادة والقوة ، وذكر ابن عمر السن في المقامين دليل على أنه فهم ان ذلك منوط بالسن ، ويعضد ذلك تفهم عمر بن عبد العزيز ومن وافقه ، والأمر فيه محتمل ، وأمر عمر بن عبد العزيز بجعل من دون خمس عشرة في الذرية ظاهر لما قدمناه ، وكذلك سحب حكم عدم البلوغ على ما قبل تمامها فلا بلوغ قبل استكمال خمس عشرة سنة بغير الاحتلام ، وإنما النظر في البلوغ بتمامها والإجازة في القتال لا تدل على البلوغ لأن الصبي القادر على القتال يجوز له الحضور وإن لم يجب عليه . وقد ذكر الرافعي في هذا الحديث زيادة وهي قول ابن عمر في المدة الأولى ولم يرني بلغت ، وفي الخندق ورآني قد بلغت . وهذه الزيادة إن صحت كافية في الاستدلال على إمكان أن يجعلها الخصم على بلوغ القتال ، ولكن الظاهر خلافه ، وبعض هذه الزيادة رواه البيهقي وهو قول ابن عمر في يوم أحد ولم يرني بلغت ، ورواه ابن جرير ، عن عبيد اللّه عن نافع ، عن ابن عمر . وفي رواية جماعة عن عبد اللّه فاستصغرني . وأما الحديث الثاني : فرواه الدارقطني على ما نقله إمام الحرمين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود » . وهذا الحديث نص على المقصود ، فإن الذي دلت عليه السير أن ابن عمر يوم الخندق كان في ست عشرة سنة ، لكن لم يحسب تلك الزيادة فقال : وأنا ابن خمس عشرة لأنه كان أكملها وزاد عليها ، فإجازة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له يحتمل أن تكون لقدرته على القتال مع صباه ، ويحتمل أن تكون لاستكماله خمس عشرة ، ويحتمل أن تكون لبلوغه قبل ذلك أو بعده . وأما هذا الحديث فنص في اعتبار كمال خمس عشرة سنة ، وصريح في أنه يكتب ماله وما عليه وتقام عليه الحدود وهذا معنى التكليف ، فإن صح هذا الحديث فلا ريبة في هذا الحكم ، والّا فنقول في اعتبار أبي حنيفة أيضا لسبع عشرة أو ثمان عشرة لا دليل عليه وبقاء الصبا أبدا لا صائر إليه ، وربما لا يحتلم شخص . وقد دل القرآن على بلوغ النكاح وهو السن الذي تتوق فيه نفسه إلى الجماع ويقدر عليه وهو مختلف باختلاف الأشخاص ، والغالب وجوده في ابن خمس عشرة وما قاربها ، وقد شهد له حديث ابن عمر والحديث الآخر فهو أولى بالاعتبار واقامته مظنة ، فلذلك نختار موافقة الشافعي في الحكم بالبلوغ باستكمال خمس عشرة ظاهرا لا قطعا ، أما إذا استكمل سبع عشرة أو ثمان عشرة فيحكم بالبلوغ باتفاق منا ومن الحنفية ، ومخالفة مالك بعيدة لأنه لا غاية بعدها . ثم قال : واختلف العلماء في إنبات العانة هل يقتضي الحكم بالبلوغ ، فمن العلماء من أنكر ذلك وهو أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى ، ومنهم من قال