وقال أبو طالب المكي : هو العلم بما يتضمنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام ، وهو
شرح
مضبوط في كتب الفقه كالعلم بالاستنجاء والطهارة والصلاة وما يتعلق بها واختلاف أنواعها ، والزكاة وأنواعها ومصارفها وعلى من تجب ، والصوم والجهاد والحج وأنواعها ، وغير ذلك من الأحكام المأمور بها . وأما علم النهي ، فالعلم بالمحرمات كلها على اختلاف أنواعها كالعلم بما يفسد الطهارة والصلاة والصوم والحج وغير ذلك ، وكالعلم بالأطعمة والأشربة المحرمة وأبواب الربا وغير ذلك ، وكالعلم بالمكروه كله وذلك كله موجود في كتب الفقه . وأما علم المباح وأمور الدنيا فكالعلم بالصيد وآداب الأكل والشرب والجماع والمخالطة ومعرفة الدنيا وأسبابها . وهذا كله موجود في الكتب محررا ، فإذا أراد العبد أن لا يتحرك بحركة إلا بعلم وجد ذلك في العلم ، لأن العلم واسع جدا مثال ذلك . إذا أراد أن يسبح أو يمشي في السوق فيقول : هل للسباحة والمشي في السوق أصل في العلم أم لا ؟ فيجد ذلك منصوصا عليه ، وكذا المزح واللعب وغير ذلك ، لكن مع سعة العلم قد ترك العمل به وأوثر العمل بالجهل ، فعليك بالعلم في جميع الحركات والسكنات وهو العصمة في مواطن المهلكات ، وليكن سبيلك في العلوم اختيار أشرفها منزلة والميل إلى أنفعها ثمرة للدين والدنيا ، فتجعل نظرك في نيل ذلك الفرع من العلم مما لا بد لك منه ولا غنى لك عنه وتجعله مما ترضى أن ينسب إليك وتنسب إليه ، وتنزل غيرها من العلوم في نفسك على قدر مراتبها ومواقع أقدارها من دينك ومنفعة نفسك في دنياك وآخرتك الأوكد فالأوكد والأنفع فالأنفع وباللّه التوفيق .
( وقال ) الإمام ( أبو طالب ) محمد بن علي بن عطية الحارثي ( المكي ) في كتابه قوت القلوب إلى لقاء المحبوب ترجمه الخطيب في التاريخ والذهبي في الميزان ، فقال الزاهد الواعظ صاحب القوت : حدث عن علي بن أحمد المصيص والمفيد وكان مجتهدا في العبادة ، حدث عنه ابن عبد العزيز الأزجي وغيره ، وقال الخطيب : كان من أهل الجبل ونشأ بمكة ووعظ ببغداد مات سنة ست وثمانين وثلاثمائة اه .
قلت : وأخذ عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم ، وأبي سعيد بن الأعرابي ، وأبي عثمان المغربي ، وعنه ولده عمر بن أبي طالب ، وفي كتاب لطائف المنن نقلا عن الشاذلي أن كتاب الاحياء يورث العلم ، وكتاب القوت يورث النور ، وكان يقول : عليكم بالقوت فإنه قوت وتلقاه كل الصوفية بقبول ، وأثنوا عليه كسيدي عبد الجليل القصري صاحب شعب الإيمان ، وابن العريف ، وكان يسميه السهروردي ديوان الإسلام ، وأثنى على مؤلفه في عوارفه ، وابن عباد في رسائله قال رحمه اللّه في كتابه المذكور بعد أن أورد الأقوال التي ذكرناها ما نصه : فهذه أقوال العلماء في معنى هذا الخبر حكينا ذلك عن علمائنا بمذاهبهم على معنى مذهب كل طائفة واحتججنا لكل قول ، فالألفاظ لنا والمعنى لهم ، وهذا كله حسن ومحتمل ، وهؤلاء كلهم وإن اختلفوا في تفسير الحديث بألفاظ فإنهم متقاربون في المعنى ، إلا أهل الظاهر منهم فإنهم حملوه على ما يعلمون ، وأهل الباطل تأولوه على علمهم . ولعمري إن الظاهر والباطن علمان لا يستغني