شرح
مخصوصين ) من أهل القلوب ، فمن استعمل به واقتضي منه دون غيره من عوام المسلمين ( هم أهل ذلك ) العلم ، ولأنه جاء في لفظ الحديث : تعلموا اليقين فمعناه اطلبوا علم اليقين ، وعلم اليقين لا يوجد إلا عند الموقنين وهو من أعمال الموقنين المخصوصين في قلوب العارفين وهو العلم النافع الذي هو حال العبد عند اللّه تعالى ومقامه من اللّه تعالى كما شهد به الخبر الآخر من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم العلم علمان . فذكر وعلم باطن في القلب وهو العلم النافع ، فهذا تفسير ما أجمل في غيره . وقال جندب : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتعلمنا الإيمان ، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا ، وسيأتي قوم يتعلمون القرآن قبل الإيمان بمعنى تعلمنا علم الإيمان ، وهذا مذهب بعض نساك البصرة .
( وهؤلاء صرفوا اللفظ عن عمومه ) حيث خصوه بما ذكر ، وقد ظهر من سياق المصنف ذكر خمسة أقوال : الأول : قول المتكلمين . والثاني : قول الفقهاء . والثالث : قول المفسرين والمحدّثين . والرابع : قول الصوفية ، ثم فصله إلى قولين ، فصاروا خمسة سوى القول الأخير الذي نقله عن أبي طالب المكي ، وسيأتي بيانه ، وسنذكر لك تلك الأقوال بأحوالها بمجموعها على التفصيل الغريب ، ثم نتبعها بما ذكره أبو طالب ولم يذكره المصنف ، ثم ما ذكر غيره من العلماء فنقول :
اختلف العلماء في تفسير هذا الحديث وفهم معناه على أقوال شتى ، فمن متكلم يحمله على علم الكلام ويحتج لذلك بأنه العلم المتقدم رتبة لأنه علم التوحيد الذي هو المبنى ، والقائلون بهذا اختلفوا في كيفية الطلب كما تقدم ، ويندرج في هذا القول قول آخر وهو مستقل عما قبله إلا أن قائله من المتكلمين هو طلب علم الشبهات والمشكلات من علم التوحيد ، وقد تقدم أنه مذهب أبي ثور ، وداود الظاهري ، والكرابيسي ، والمحاسبي ومن فقيه يحمله على علم الفقه مطلقا . قال ابن عبد البر : وذلك هو المتبادر من إطلاق العلم في علم الشرع وتندرج فيه ثلاثة أقوال : فمن قائل هو علم العبادات بشروطها وفرائضها وسننها ، وقد تقدمت الإشارة إليه من قول مالك . ومن قائل هو معرفة الحلال من الحرام ، واستدل عليه بحديث ابن مسعود طلب الحلال فريضة بعد فريضة ، وبحديث أنس طلب الحلال واجب على كل مسلم ، وبحديث ابن عباس ، وابن عمر طلب الحلال جهاد . ويروى أن من الذنوب ما لا يكفرها إلا الهم في طلب الحلال ، وعند البيهقي في السنن ، والديلمي في المسند : طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة . أي : لأن طلب كسب الحلال أصل الورع وأساس التقوى . وروى النووي في بستانه عن خلف بن تميم قال : رأيت إبراهيم بن أدهم بالشام فقلت : ما أقدمك ؟ قال : لم أقدم لجهاد ولا لرباط ، ولكن لأشبع من خبز حلال .
وهذا قول عباد أهل الشام ، وإليه مال يوسف بن أسباط ، وحبيب بن حرب ، ووهيب بن الورد ، وإبراهيم بن أدهم وآخرون . ومن قائل هو علم المعاملات وهو قول أهل الكوفة كسفيان الثوري ، وأبي حنيفة وأتباعهما ، ومن مفسر يحمله على علم التفسير ، ومن محدث يحمله على علم الحديث .
وقد ذكرت علة كل من ذلك ، ومن نحوي يحمله على علم العربية ويقول : الشريعة إنما تتلقى من الكتاب والسنة ، وقد قال تعالى :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ )[ إبراهيم