إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها . وقال المتصوفة : المراد به هذا العلم ، فقال بعضهم : هو علم العبد بحاله ومقامه من اللّه عز وجل . وقال بعضهم : هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس وتمييز لمة الملك من لمة الشيطان . وقال بعضهم : هو علم الباطن ، وذلك يجب على أقوام مخصوصين هم أهل ذلك ، وصرفوا اللفظ عن عمومه .
شرح
العبادات وهي أحكام الطهارة والصلاة والحج والزكاة وتوابعها وشروطها فهو قول مستقل لعامة الفقهاء ، وذكر البيهقي في المدخل عن عبد الملك بن حبيب أنه سمع عبد الملك بن الماجشون قال :
سمعت مالكا ، وسئل عن طلب العلم أواجب ؟ قال : أما معرفة شرائعه وسننه وفقهه الظاهر فواجب ، وغير ذلك من ضعف عنه فلا شيء عليه اه .
وإن أريد بمعرفة الحلال والحرام ما يحل ويحرم في عباداته فهو داخل في القول الأول ، وإلا فهو قول مستقل لبعض صوفية الفقهاء كما سيأتي بيانه ، وأما معرفة ما يحل ويحرم من المعاملات فهو قول فقهاء الكوفة خاصة . قال صاحب القوت ، وقال بعض فقهاء الكوفة : معناه طلب علم البيع والشراء والنكاح والطلاق ، وإذا أراد الدخول فيه افترض عليه مع دخوله في ذلك طلب علمه لقول عمر رضي اللّه عنه : لا يتجر في سوقنا هذا إلا من تفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى ، وكما قيل : تفقه ثم اتجر ، ومال إلى هذا سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابهما . ( وقال المفسرون والمحدثون : هو علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها ) هما قولان ، فالمفسرون قالوا هو علم الكتاب ، وقال المحدثون : هو علم السنة ولما كانت العلة متحدة جمعهما في قول واحد . ( وقال المتصوّفة : المراد به هذا العلم ) أي علم التصوف ، ثم اختلفوا على أقوال ( فقال بعضهم : هو علم العبد بحاله وقوامه من اللّه تعالى ) يعني حال العبد من مقامه الذي أقيم فيه بأن يعلم أحدهم حاله بينه وبين اللّه تعالى في دنياه وآخرته ، فيقوم بأحكام اللّه في ذلك ، وهذا القول عزاه صاحب القوت إلى سهل التستري ( وقال بعضهم : هو العلم بالإخلاص و ) معرفة ( آفات النفوس ) ووساوسها ، ومعرفة مكائد العدو وخدعه ومكره وغروره ، وما يصلح الأعمال ويفسدها فريضة كله من حيث كان الاخلاص بالأعمال فريضة ، ومن حيث علم بعداوة إبليس ثم أمر بمعاداته ، وهذا القول ذهب إليه عبد الرحيم بن يحيى الآرموي الشهير بالأسود من الشاميين ومن تابعه . وقال بعض البصريين في معناه : طلب علم القلوب ومعرفة الخواطر وتفصيلها فريضة لأنها رسل اللّه تعالى إلى العبد ووساوس العدو والنفس ، فيستحب إليه تنقيذها منه ، ومنها ابتلاء من اللّه للعبد واختبار تقتضيه مجاهدة نفسه في نفيها ، ولأنها أول النية التي أول كل عمل وعنها تظهر الأفعال وعلى قدرها تضاعف الأعمال فيحتاج إلى ( تمييز لمة الملك من لمة الشيطان ) وخاطر الروح ووسوسة النفس من علم اليقين وقوادح العقل ، ليميز بذلك الأحكام . وهذا عند هؤلاء فريضة ، وهو مذهب مالك بن دينار ، وفرقد السنجي ، وعبد الواحد بن زيد وأتباعهم من نساك البصرة ، وقد كان أستاذهم الحسن البصري يتكلم في ذلك وعنه حملوا علم القلوب . ( وقال بعضهم هو ) طلب ( علم الباطن ) فريضة على أهله . قالوا ( وذلك يجب على أقوام